درسنا في مادة «الكيمياء العضوية» حجرا يسمى حجر الغليان، وكنا نستعمله حين ندخل إلى المختبر ونطبق تجربة عملية، وذلك لكي يوزع الحرارة القادمة من المصدر الحراري إلى السائل العضوي الطيّار سريع الغليان.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الحجر يقلل التطاير المفاجئ للسائل العضوي على هيئة قطرات صغيرة جدا أو «رذاذ».
مقدمة غريبة، أليس كذلك؟
ليس هدفي من هذا المقال أن أشرح شيئا عن المركبات العضوية وخصائصها، ولكن وجودي في هذا المختبر وتأملي في الحجر جعلني أتصور تشبيها لجانب سلبي في حياتنا اليومية.
إننا كثيرا ما نجعل من قلوبنا أحجارا للغليان! كثيرا ما نحمل في قلوبنا غلا وحسدا على هذا الزميل أو ذاك الرفيق، نظل نحمل في أنفسنا ونكبت ولا نحدّث أحدا.
يختلف رجل مع أخ له فينقلب له عدوا مبينا، وتحدث مشكلة بين فتاتين هما من خيرة الأصحاب فتصبحان عدوتين لدودتين، وأبناء عم تربطهم صلة رحم وقرابة قوية فيدخل بينهم الشيطان فيصبحوا في أعين بعضهم كالشياطين أو أشد.
وليت أبعاد المشكلة في وقوع الخلاف، بل حين تحدث المشكلة أو الخلاف، كثيرا ما نغلق كل باب للصلح، وكثيرا ما نشخصن المشكلة ونحملها ما لا تحتمل، وقلوبنا المسكينة هي أكبر المتضررين.
تظل الأفكار والخواطر تتقلب في القلب.
ينمو الحقد وتكبر الخصومة.
ويظل القلب يحتمي من تلك الأفكار ثم يغلي غليانا في الصدر.
أحيانا نجعل من قلوبنا أحجارا ونحن لا ندري، نبتعد عن ذكر الله وتكثر في سلوكنا المعاصي، ونبتعد عن السنن.
نهجر حاجات النفس.
نهجر السكينة والتأمل ونبتعد عن القراءة ولا نتفكر في الخلق، ونظل نبتعد عن الجانب الروحي بانغماسنا في الجانب المادي.
لا عتب على قلوبنا المسكينة إن تحجرت حينها، فنحن من قدناها إلى ذلك.
أي دواء لقلوبنا خير من الذكر والاستغفار؟ وقد قال سبحانه في محكم التنزيل «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»؟ أي بلسم هو أنقى من بلسم التصافي والتصالح ونحن مأمورون ألا يطول خصام عن ثلاث؟ «الحب يشفيك»، مقولة صدق من قالها، فبالحب تصفى الأنفس وتتآلف الأرواح.
إفشاء السلام وصلة الأرحام وصلاة القيام وإطعام الطعام، كلها أدوية تطهر قلوبنا وتصفي أنفسنا وتجعلنا أكثر توازنا وأحسن حالا.
ألا رفقا بقلوبنا، فهي المتضررة إن طال الخلاف، وهي المتألمة إن تحجّرت.

