لم يكن شراء اللوحة الشهيرة في المزاد العلني الذي أقامته إدارة مرور جدة لبيع اللوحات بمبلغ ستمئة وخمسين ألف ريال مثيرًا للدهشة فحسب، بل كان صدمة للمتابعين المتأملين الذين ما فتئوا يتلقون أخبارًا عن مزايين هنا وهناك، لكون ما دفع يتصل بالمشتري ويتصل مباشرة بالمواطن.
لن ألوم هنا الجهات المنظمة لهذه المزادات مع أن المسألة تحتاج إلى إعادة نظر، فما كانت لتكون لولا وجود القابلية لدى بعض الشرائح لممارسة هذا الفعل، ولكني ألوم تلك الحشود التي اجتمعت لتنفق أموالًا طائلة في ما لا يغني من جوع، ولو عرفوا أن المال غادٍ ورائحُ كما تضمن البيت الشعريّ المنسوب إلى حاتم الطائيّ لأدركوا أن اللوحة أو الناقة أو التيس من المزايين التي لا ينتفع منها أحد بمن فيهم المشتري نفسه، فلا فرق بين من خرج من المزاد متأبطًا لوحة سيارة لا معنى لها وذلك الذي خرج منه بغيرها.
سأحاول أن أفصِل بين الحدث نفسه ونقله، فالحدث لا ينبئ إلا عن عمل تبذيريّ بحق يمارسه إنسان قد يكون مقتدرًا لكنه يفتقد كثيرًا من مقومات الرشد، وربما ينقصه أكثر من ذلك.
أما الخبر فله تأثيراته الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة التي لا تحدّ، ولاسيما إن كان هذا الخبر داخلًا في منظومة أخبار متوالية تحمل هذا الاتجاه ترويجًا وتفاعلًا، لذا أشير إلى أمرين أراهما مهمين: الأول داخليّ يتصل بأثر ترويج أخبار المزايين بأنواعها في صناعة جيل يعتمد على الشكليّة المقيتة في الحياة، والاتكاء على لعبة الحظ التي أسهمت في صنع أولئك المبذرين الذين لا يترددون في الإنفاق على المظاهر، ومن ثم تتحول هذه المظاهر إلى غاية يتراجع خلفها جوهر الأشياء في الحياة، ليصبح مفهوما النافع والمفيد واقعين في دائرة الهامش، ويتحول الهامش فيصبح مركز الاهتمام الشعبيّ ومحوره، ويُبنى على ذلك شيوع فكر استهلاكي على حساب نظيره الإنتاجي، يتم ذلك عند الاقتداء بتلك الشريحة، ومتى آمنت المجتمعات بذلك فإن هذا سيقودها إلى الهشاشة والاضطراب لتصبح مجتمعات جوفاء لا قيمة لها، فالقيمة (بمفهوم السوق) التي تدفع لما هو هامشيّ إيذان بانتهاء القيمة الحقيقيّة للمجتمع الذي يتقبلها أويؤمن بها أو يشجع عليها.
أما الأمر الآخر فيتصل بصورة المجتمع السعودي إذ إن أخبار المزادات في احتفالات المزايين وإنفاق الملايين فيها تعكس تعبيرًا واضحًا عن أساليب عيشنا ومستويات معيشتنا، فأخبار الناقة التي تباع بثلاثين مليون ريال، واللوحة التي تصل إلى مليون ريال، تتناقل إلى العالم من حولنا فترسخ صورة ذهنية عن المواطن السعودي بوصفه صاحب الجيب الممتلئ بالملايين والعقل العاجز عن إنفاقها فيما يجدي.
هذه الصورة الملوثة تنعكس علينا جميعًا أغنياء وفقراء وتلحق تبعاتها بنا، ولا يمكن إزالتها من أذهان غيرنا بسهولة.
وتبعًا لذلك أقول: إن كنّا عاجزين عن إيقاف الحدث، فإن علينا واجب إهماله وعدم التفاعل معه، وإن تمّ ترويج ذلك، كما حدث مع مزاد اللوحة فإن الحاجة ماسة إلى إبداء رد الفعل اللائق بموضوع يتصل بصورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم أجمع.
ماذا نجني من المزايين؟
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
