الثقافة الأثرية أصبحت جزءا لا يتجزأ من عملية التربية الناجحة، شئنا ذلك أم أبينا، خاصة الجانب الاجتماعي منها.
فهي ليست دراسة سلسلة من الأعمال الخاصة من الحجر والفخار والمرمر والبرونز والعاج وغيرها.
إنما هي تجسيد العمل الإنساني في بعض العصور والأزمنة في مادة صماء، ويجعلها حية ملائمة لانفعالات نفسية ولحاجاته العملية.
حيث تحدث القرآن الكريم عن النبوات الأولى والأمم القديمة التي خلت وتقديمه معلومات تفصيلية عن قصص الأولين، مع الأمر بالاعتبار بآثارهم، المعنوية والحسية، فقال تعالى { تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ} [الأعراف: 101]وقال تعالى: { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل: 51 - 53]، وعلى الرغم من وجود عدد لا بأس به من علماء الآثار من أبناء المسلمين لم يظهر (علم الآثار) بالشكل المرضي، وفي تقديرنا أن أسباب ذلك تعود إلى:

1- أن غالب المشتغلين بالآثار هم من الذين انقطعت أو كادت صلتهم الفكرية مع ماضيهم.
2 - اقتران علم الآثار في البلاد الإسلامية بحالة الموروث الثقافي عن نهي الإسلام عن الصور والتماثيل.
3 - عدم وضوح أثر الثقافة الأثرية ودورها في التربية والدراسات الإسلامية والنشاطات التعليمية الحديثة.
أضف إلى ذلك أن من شأن الثقافة الأثرية تغذيه الشعور الحسي الوطني.
فحب الوطن يبدأ بحب المنزل وكما يقول (فيستل دو كولانج): إن الوطنية تقدس الماضي وتعلم احترام الأجيال التي سبقتنا والأشياء المادية المتوارثة من عصر إلى عصر بما فيها من أحجار منحوتة وأبنية قديمة وأوابد من جميع الأصناف تتكلم بإفصاح أمام النظر، الذي يعرف كيف يرى وكيف يقدر، وتبعث ماضي الأمة فتجعله جزءا من أنفسنا.
ولذلك نرى كل الأمم والشعوب تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على ما تملك من الآثار؛ باعتبار ذلك رافدا من روافد ثقافتها وتاريخها الحضاري، وينبوع التربية لديها.
وهل غير علم الآثار ما يعرفنا بميراث هذا الإبداع ويصل شخصيتنا الحاضرة بشخصيات أجدادنا الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ.
فإن المسلم ليقف اليوم مندهشا في عصر البذخ والرفاهية المفرطة وهو يشاهد (الحجرة النبوية) وتواضعها، وهي يوما من الأيام (النقطة المركزية الأرضية) التي اختيرت لاستقبال الأوامر الإلهية.
وفي ذلك مئات الدروس والمواعظ التي يستغرق إلقاؤها كثيرا من الوقت.
وكذلك لو استطعنا اليوم النظر إلى بعض ما كان يستعمله، صلى الله عليه وسلم من المواعين في حاجاته اليومية.
وما يدندن حوله من أن الاهتمام بعلم الآثار سوف يؤدي إلى اتخاذها أوثانا، مع العلم أن (الأهرامات المصرية، ومدائن صالح في السعودية)، كانا موجودين زمن الفتح الإسلامي لمصر ولم يتعرض لها أحد من أولئك القادة العظماء، الذين بذلوا كل ما يملكون في سبيل رضا الله، وإقامة دينه منذ ذاك الوقت حتى الآن.
أليس أولئك السلف الصالح، أحرص على حماية العقيدة الصحيحة؟!