التغييرات العميقة في طبيعة الحرب أثرت في تشكيل الطريقة التي يتم بها تنظيم الدولة والقانون نفسه. وأول مثال واضح على ذلك، هو أن استخدام البارود في الحرب ساعد على ظهور الجيوش الصغيرة التي أدت إلى ظهور الملكيات المطلقة في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
أما تعبئة الأعداد الكبيرة من الجماهير الثائرين، فساعدت جيوش نابليون على إنهاء هذه الملكيات في فرنسا، لكن يبدو أن فكرة الحفاظ على الجيوش الكبيرة من أجل الحماية والدفاع عن الدولة، أدى بالضرورة إلي تغيير شكل الدولة وإنشاء جهاز إداري حديث لها، وهو ما استلهمه محمد علي في مصر منذ عام 1805 حين ارتبط قيام الدولة المدنية الحديثة بإنشاء جيش قوي وسائر المؤسسات الأخرى، بما في ذلك إرسال البعثات للخارج (وفرنسا تحديدا) لنقل تجربتها وخبرتها.
مرحلة جديدة
اليوم ينتقل العالم إلى مرحلة جديدة يتغير فيها شكل الدولة بسبب عوامل كثيرة، أبرزها التقدم التكنولوجي وانتشار الإرهاب، مما أدى إلى إعادة النظر في الطريقة التي تدار بها الحروب منذ معاهدة “ويست فاليا” عام 1648... كيف؟ في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، كتب هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي، ووزير الخارجية الأشهر في مرحلة الحرب الباردة، مقالين متتاليين في مجلة “شؤون خارجية” الأمريكية، نعى فيهما معاهدة ويست فاليا، مؤكداً أن العالم دخل مرحلة جديدة بظهور التنظيمات المستقلة عن الدولة والقادرة على تهديد الأمن المحلي والعالمي، مما يعني تآكل مفهوم الدولة بالمعني التقليدي، ونهاية التصور القديم لمفهوم السيادة الوطنية.
أما المؤرخ الكبير إريك هوبسباوم، فأكد على مقولة كيسنجر في كتابه “القرن العشرين”، وقال: إن شكل الدولة القومية التي تمتلك جيشا قادرا على حماية حدودها من غزو الأعداء ويكون قادرا في نفس الوقت على العبور إلى مناطق أخرى في العالم، ويشكل تهديداً لها، وما تم في معظم الحروب الدولية في القرن العشرين، قد انتهى.
حتى يحل السلام
قبل أربعين عاماً، صدر كتابان على درجة كبيرة من الأهمية، أعيد طرحهما الآن للجدل والنقاش داخل دوائر صنع القرار الأمريكي.
الكتاب الأول بعنوان “حتى يحل السلام”، صدر في نيويورك عام 1968 لمؤلفه نايجل كالدر، وفيه يستشهد بما كتبه الجنرال أندريه بوفر في كتابه “الحرب الكلاسيكية في سنوات الثمانين”، إذ يقول: إن الحرب لم تعد ممكنة إلا في تلك الأجزاء من العالم التي لا يلعب فيها الردع النووي أي دور، وحتى هذه الحرب التقليدية، على الرغم من أهوالها، ستكون محدودة بواقع أن التهديد الماثل دوماً، بالتصعيد، من شأنه أن يؤدي إلى حرب نووية.
تقرير من جبل الفولاذ
أما الكتاب الثاني، ففيه فصل المقال في مسألة الحرب، على الرغم من سخريته اللاذعة، وعنوانه “تقرير من جبل الفولاذ “ وصدر في نيويورك عام 1967، ويقول: إن الحرب هي حق لا مفر منه من أجل مسار مجتمعاتنا، بحيث سيتوجب علينا، لإزالة الحرب، أن نكتشف وسائل لحل مشاكلنا تكون أشد وأكثر قدرة على القتل.
هذا المبدأ الأخير أصبح مشكوكا فيه إلى حد كبير، ذلك أن التهديد والتدمير اليوم لا تمارسهما الجيوش الجرارة في ساحات معروفة للقتال، إنما يعتمدان على أمرين: التكنولوجيا الفائقة، ومنظمات وشبكات غير معروفة العنوان أو الهوية، حتى وإن أعلنت هويتها عبر مواقع الانترنت والفضائيات، أو لها حتى مركز واحد لصنع القرار، وبالتالي أصبح من الصعب ردعها أو تخويفها والتأثير فيهاـ وهو ما يؤكد أننا أمام مفهوم جديد للحرب يتناقض مع منطق القتل التقليدي، سيغير بدوره شكل الدولة وطبيعتها في المستقبل.
مستقبل الحرب
هل تخاض الحروب من قبل طائرات صغيرة (بدون طيار)؟ ما دور “الروبوت” الذي تصعب رؤيته في ساحة المعارك؟ وهل تتطور الحرب الالكترونية الهجومية والقدرات غير العادية للمراقبة والتجسس عن بعد، سواء في ساحات المعارك؟ هل نستمر في “عسكرة الفضاء” واستخدام الأسلحة “البيولوجية” والتكلنولوجيا الحيوية المدمرة؟
البيولوجيا علم الموت
تمكن العلماء من تخليق كائنات حية مثل الفيروسات الجديدة الأشد فتكا، قادرة على اختراق أي مجال طبيعي في الهواء والماء وعلى الأرض وتحتها، ولكن مشكلة هذه الفيروسات تتمثل في سهولة الحصول عليها من قبل الدول المارقة والشريرة وأيضا التنظيمات الإرهابية ومرتزقة الحروب.
طائرات بدون طيار
طائرات بدون طيار التي تحكم فيها عن بعد أصبحت طريقة شائعة تسمح باغتيال الأشخاص غير المرغوب فيهم (كالإرهابيين) في أي مكان من العالم.
ولم تعد اليوم أمريكا أو إسرائيل أو بريطانيا فقط هي التي تمتلك هذه التكنولوجيا إنما الصين أيضا.
فقد كشفت الصين النقاب عن 25 نموذجا للطائرات بدون طيار في عرض جوي عام 2010، وبعضها يمكن تجهيزه لإطلاق الصواريخ، وقد تم استخدام بعضها بكفاءة في قتل بعض أباطرة المخدرات والمتمردين في مناطق نائية من ميانمار، ناهيك عن عمليات الاستطلاع الواسعة في الأجواء الصعبة مما أدى لإلقاء القبض على كثير منهم.
واللافت هنا أن الولايات المتحدة استخدمت الأسلوب نفسه في الحرب ضد الإرهاب في باكستان وأفغانستان واليمن، ومعظمهم ينتمون لتنظيم القاعدة، لكن المفاجأة هي أن أفغانستان كانت -ولا تزال- محور تجريب واستخدام الطائرات بدون طيار من قبل الصين التي ضربت الانفصاليين الإيغور في المنفى، حدود أفغانستان، وكذلك الولايات المتحدة، وربما إيران التي تدعي أن لديها طائرات بدون طيار قد تهاجم بها القوميين البلوش على طول الحدود مع باكستان، بالرغم من أن الجدل لم يحسم بعد داخل وزارة الدفاع الأمريكية، حول استخدام الطائرات بدون طيار في المستقبل.
الحرب الالكترونية.. داء ودواء
ربما مثلت “السيبرانية” أكبر دليل على نهاية الحدود الجغرافية بين الدول القومية، وانتهاك السيادة الوطنية دون اللجوء إلى استخدام الأفراد والجيوش (أو فقدها) في المعارك، فمن القراصنة إلى كشف بيانات العملاء في المصارف والبنوك والمستشفيات وشركات التأمين وانتهاك خصوصية الشركات المتعددة الجنسيات والشخصيات العامة والدول الكبرى، أصبحت السيبرانية هي “الداء والدواء”، المشكلة والحل، في القرن الـ 21.
المشكلة التي تواجه الدول الكبرى مبتكرة هذه التكنولوجيا هي أن الدول النامية، أصبحت تمتلك اليوم التكنولوجيا نفسها التي تمكنها من الوصول إلى داخل أكبر هذه الدول المتقدمة، وهو ما كشفت عنه معظم العمليات الإرهابية، فضلا عن اختراقات لأجهزة سيادية وأمنية حساسة، مما يستلزم تغيير مفاهيمنا عن معنى “السيادة” وطبيعة الخصوصية وحقوق الإنسان وسائر الحريات العامة.
وكما لاحظ المؤرخ تشارلز تيلي، فإن أي تغيير في وسائل الحرب سيغير من شكل الدولة بالضرورة، والعكس بالعكس.

