يضحكون في وجهك وغالبا يقولون «أهلا بك في مدينة البنطالات».
ولأنك لا تفهم، قد تقول أحد التعبيرين الإنجليزيين المحببين: «عفوا؟» أو «معذرة؟»، ليضحكوا ويقولوا لك إن هذه المدينة التجارية الصغيرة، ذات الأحد عشر ألف نسمة، في شرق يوركشير، كانت مركزا كبيرا لصناع الملابس، في القرنين التاسع عشر والعشرين.
هناك، حيث يلتقي نهرا كالدر، وهبدن - الذي منح اسمه للمدينة- تقبع هبدن بريدج في هدوء لا يزعجه عابرون مثلي.
وفي مدينة صغيرة، يلتقي فيها نهران، واستخدمت مياه النهرين في تشغيل محالج الصوف، يمكنك أن تمنع نفسك من بصق قهوتك ضاحكا، عندما يحكي لك العم آرشي عن تبرمه الشديد من عدم وجود أي حمام سباحة في المدينة.
«هكذا؟» قلت وأنا أتظاهر بالرصانة، وأكمل هو بتبرم شديد «مئات من الأعوام ولم نحصل حتى على حمام سباحة! هذا ظلم بين! يعاملوننا كريفيين غير مهمين! أين سيتمرن الأطفال على السباحة؟» كنت أنظر إليه متحكمًا في ابتسامتي، بينما أتتني النادلة بقدح القهوة، لاحظت ما يجري، بحنكة إنجليزية غير مستغربة، لتقول بشكل عابر «آرشي! كان لدينا حمام سباحة صغير في مركز تعليم الأطفال».
لم أتمالك نفسي فسألت «وأين ذهب؟».
قالت لي باقتضاب، وهي تعطيني ظهرها «لم يعد موجودًا».
لم يدعني العم آرشي لأفكر في سبب الاختفاء، عاجلني: «لقد آويناهم أثناء الحرب! وهكذا يعاملوننا!».
عرفت بعد قليل أن هبدن بريدج قد تحملت إيواء القادمين من المدن الكبيرة حولها أثناء الحرب العالمية الثانية، وتحملت عن طيب خاطر قنبلتين طائشتين فيما بدا كإشارة رمزية لاشتراك هبدن بريدج في الحرب الكبيرة ضد النازي المتوحش.
«ولكن لدينا سينما!» قالها العم آرشي بفخر شديد، قلت له كيف كان أبي يحب أن يرى أفلام روبرت تايلور في سينما تدعى مترو في وسط مدينة القاهرة.
لمعت عيناه وقال «القاهرة! نعم! لي ابن عم ثان خدم في الإسكندرية أثناء الحرب».
بدا لي الموضوع مفارقا، هو في مدينة لا تتعدى الأحد عشر ألف مواطن وأنا القادم من مدينة يقدر تعدادها بالعشرين مليونًا، ولا تشتكي أبدا من قلة حمامات السباحة ولا السينمات، ولا تشتكي أيضا من وعورة الطريق للوصول إلى هبدن بريدج تاريخيا لو لا تعبيد الطريق في ابر كالدر فالي قبيل الثورة الصناعية، الأمر الذي قد يفسر ما يشتكي منه العم آرشي.
ولكنه يبالغ قليلا، فكما سمعت، فقد كانت هبدن بريدج مزارا مفضلا للفنانين والكتاب والمصورين وحركة الهيبيين، وما زالت إلى الآن، منذ السبعينات والثمانينات، ودفنت فيها الشاعرة العظيمة سيلفيا باث، وكتب زوجها الشاعر تد هيوز واحدة من أشهر قصائده في أحد فنادقها، الاستيبنج وارف، وسماها بنفس الاسم.
في يونيو من كل عام تجد مهرجان هبدن بريدج للفنون، ومهرجان المدينة لموسيقى البلوز.
لا تبتئس جدا يا أيها العم آرشي.
يشتكي من أن المدينة لم تعد تملك مصانعها ومكاتبها، فمنذ التسعينات وكل سكان المدينة تقريبا يخرجون للعمل في المدن المجاورة، لقد انهارت الصناعة في هبدن بريدج، يقولها بنبرة حزينة ميلودرامية.
وددت أن أصارحه بأن عدم وجود الناس في المدينة في ساعات بعينها يجعلني أمشي مستمتعًا ببازاراتها الجميلة الدقيقة الأنيقة، وأنا أتحسس ما تبقى من قرميد في بعض الأزقة بقدميّ، مستعيدًآ ذكرى قديمة لزقاق قريب من مكان ميلادي ومسرح الشباب الغض، والذي كان يزدان بتلك الكتل الدائرية في الشارع، تحت نور مصباح عتيق أنيق، قبل أن يأتي رئيس حي ما، ينزع المصباح ويسفلت الشارع سفلتة رديئة، في إطار تطوير وتحديث شوارع المحروسة وأزقتها.
أمشي في الشوارع الجميلة غير المتسعة ولا الضيقة، الملتفة قليلا حول نفسها، وأجد نفسي أبتسم للمارة ولدهشتي أجد بعضهم يبتسمون لي، بعيدا عن تلك التقطيبة البريطانية المشهورة، يخطر لي في لحظة، أن العم آرشي كان يدرك تماما أنني أكاد أضحك، مثل كل غريب قد يعبر بالمدينة، ولكن الرجل يبدو مستمتعًا بالحكي في حد ذاته، بالشكوى من كل شيء كعادة بريطانية أثيرة، لا سيما عندما يكون أمامه شاب صغير أجنبي، مستعد لأن يسمع بانتباه شديد، ويحرك وجهه متأثرًا بأدب، ما بين الفينة والأخرى.

[email protected]