رصد تطورات المشهد الثقافي خلال العقود الماضية، يعيد إلى ذاكرة المثقفين كثيرا من المتغيرات والمفارقات، التي تجعلهم يضعون معايير الأفضلية الثقافية في ميزان التقييم، حيث يرون أن لكل عقد ملامحه الثقافية المختلفة عن الآخر، وفي ظل ضيق الحامل الإعلامي الذي أضحى الآن واسعا ستختلف، أيضا، الحاضنات الثقافية التي من الممكن بناء تلك المعايير عليها في الحكم على الأجيال الثقافية، مشيرين إلى أن العقد الحالي أو مطلع العقد الثاني من الألفية الثانية الذي نحن فيه، يعتبر عصرا ذهبيا للمبدع، إذ إن التقنية هي سيدة الموقف والداعم لعملية النشر والإنتاج والتواصل التفاعلي مع المتلقين.
يقول الأديب والقاص محمد الشقحاء: بالنسبة لنا فإن عقد الثمانينات تميز بمساحة الحراك الصحفي وإنتاج كتب ونصوص، والتسعينات بقيام الأندية الأدبية وشهد إنتاجا وصراعا بين الثابت والمتحول في ثوب الأصالة والحداثة التي أغنت الصحف والمنابر، ومعها اكتشف المبدع موهبته وقدرته في الخلق.
ويرى الباحث والمسرحي علي السعيد أن المقارنة أو المفاضلة ستكون عادلة لأن كل فترة لها ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تختلف فيها عن الأخرى، وكل فترة لها مبدعوها ومثقفوها، شعراء وكتاب قصة وكتاب رأي، فترة الخمسينات أيضا كانت مهمة حيث تسيدت الصحافة والمدارس الموقف في الفعل الثقافي، بل كانت المدارس هي الأبرز لاتساع انتشارها، أما فترة الستينات، فقد أضاف التلفزيون لها طعما آخر، مع انتقال الصحافة إلى صحافة المؤسسات، وأثرت العلاقات السياسية مع بعض الدول العربية، وكذلك نكسة يونيو في المشهد الثقافي في تلك الفترة، فيما شهدت فترة منتصف السبعينات دخول المسرح والمسرحيين على المشهد الثقافي بقوة وصار هناك فضاء جديد للفعل الثقافي أكثر تفاعلا مع المتلقي.
ويضيف السعيد أن بداية الثمانينات، وبعد حركة جهيمان، كان هناك تراجع ثقافي كبير، وتشدد رقابي أكثر، ولكن رغم ذلك فقد ظهر معرض الرياض الدولي للكتاب للمرة الأولى بجامعة الرياض واستمر حتى الآن، لكن السمة الغالبة لتلك الفترة كانت هي الاضطراب والمد والجزر في الفعل الثقافي، وفيها أيضا انطلق مهرجان الجنادرية، واعتقد أن حدثين بارزين هما «معرض الكتاب» و»الجنادرية» لا يمكن إغفال أثرهما الثقافي وحتى الاجتماعي، أما التسعينات فهي فترة ثقافية مسيسة بدرجة امتياز فقد شهدت الحرب العراقية الإيرانية، والجهاد في أفغانستان، وختامها كان بغزو الكويت، فكل هذه الأحداث كانت مسيطرة على المشهد الثقافي ومؤثرة فيه.
من جهته، يرى الكاتب والشاعر إبراهيم طالع أن هذا الزمن هو أكثر أوقات الثقافة حضورا في الوطن نظرا إلى أن الكوابح والمواقع التي ضربت على المكان خلال العقود المنصرمة قد سقطت نهائيا أمام الممكنات، ولذا نحن نرى الانفجار الثقافي كتابيا وشعبيا في مناطق ومحافظات الوطن.
ويقول الشاعر زكي الصدير إن لكل عقد ملامحه الثقافية المختلفة عن الآخر، وفي ظل ضيق الحامل الإعلامي الذي أضحى الآن واسعا ستختلف، أيضا، الحاضنات الثقافية التي من الممكن أن نبني عليها معاييرنا في الحكم على الأجيال الثقافية، لذا أجد أنه لا يمكن بحال من الأحوال قراءة المشهد الثقافي بهذه الآلية المتكئة على ميزان الأفضلية.


لا أستطيع الحكـم الصحيـح علـى عقود لم أكـن واعيـا بحقيقـة ما دار فيها، فالقراءة العابرة عن إنتاج عقد ما لا تعطي الحق في الحكم، كذلـك مقومات النشر وتوفر وسائل الانتشار في صالح العقود الأخيرة، بالمجمل حركة النشر مثلا وهي من أهم محددات الفعل الثقافي كانت الأضخم والأجود فنيا خلال العقد الأخير على الرغم من دخول دخلاء كثر على الساحة الثقافية.
حسن آل عامر

 

مطلع الألفية الثانية حمل لنا أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها التي أثّرت على المشهد الثقافي وأثرته، أما مطلع العقد الثاني من الألفية الثانية الذي نحن فيه، فأعتقد أنه عصر ذهبي للمبدع، إذ إن التقنية هي سيدة الموقف ومقص الرقيب «انثلم» لم يعد الهاجس الذي يؤرق المبدع أو المثقف، ولم تعد الشبابيك المغلقة تجدي نفعا، فالفضاء مفتوح وكلّ يشم عبق الورد الذي يعجبه.
علي السعيد

 

أعتقـد أن ما مضـى من عقود كان خليطا من الفقـه الظلامي للحياة ومن التسييـس المتحجـب والسـري لقمع الحياة الثقافية والجماليـة والفنية التي تملأ جـوانـب الوطن، ثـم إن المـركـزيـة التي فرضت على الناس وفكرهـم وإدارتهـم وإرادتهـم أيضا سقطت بحكم أن الإمكانات وخروجها لم تعد محتاجة إلى من يقرر الحياة ويسمح بالتنفس واستنشاق هواء الحياة.
إبراهيم طالع

 

دعنا نفترض، فقط، أن الضغوط الثقافية كانت ولا تزال تتسع وتضيق على الأسئلة، لذلك نلمح على الدوام أجوبة غير حقيقية فوق الطاولة الإعلامية، إنها على قدر كبير من الاستعارة الشعرية، القادرة على التهرب من رقيب السلطة والدين والمجتمع، وهنا يقع السؤال: إلى أي حد استطاع المثقف خلال خمسين سنة أو أكثر أن يبتكر أسئلته المجردة بلا قلق أو ريبة؟.
زكي الصدير