ليست أخطر نتائج الحروب تلك التي نراها في المدن المدمرة والمباني المنهارة، بل تلك التي تتسلل بصمت إلى عقول الأطفال، فتغير مفاهيمهم عن الحياة والوطن والإنسان. فالمباني يمكن إعادة تشييدها، والاقتصادات يمكن إنعاشها، لكن إعادة بناء عقل طفل نشأ على تمجيد العنف وكراهية المختلف قد تستغرق سنوات طويلة من العمل التربوي والنفسي والاجتماعي.

وهنا تبرز واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق في اليمن، وهي أدلجة الأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، وتحويل بعض المؤسسات التعليمية والأنشطة الصيفية إلى أدوات للتعبئة الفكرية والعسكرية.

لم تعد هذه القضية مجرد اتهامات سياسية متبادلة؛ فقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن في تقريره لعام 2025 استخدام المدارس والمراكز الصيفية والأنشطة الدينية في استقطاب الأطفال وغرس الأفكار المرتبطة بأيديولوجية الجماعة، مشيرا إلى أن بعض هذه الأنشطة تستهدف أطفالا في سن السابعة، وأن عمليات التجنيد والتدريب تمتد إلى أعمار أكبر.

والأشد خطورة أن التعليم، الذي يفترض أن يحرر الإنسان من الجهل والخوف، قد يتحول في مثل هذه الظروف إلى وسيلة لإعادة تشكيل وعيه وفق رؤية أحادية، يصبح فيها الولاء للجماعة مقدما على الانتماء الوطني، وتصبح الطاعة بديلا عن التفكير النقدي، ويتراجع قبول الاختلاف أمام خطاب التعبئة والصراع.

إن الطفل الذي يتعلم أن المختلف معه عدو، وأن حمل السلاح طريق إلى البطولة، لا يحرم من طفولته فحسب، بل يحرم من فرصة بناء علاقة طبيعية مع مجتمعه ومستقبله.

هل شهد العالم تجارب مشابهة؟

التاريخ يؤكد أن استغلال الأطفال في الصراعات الأيديولوجية والعسكرية ليس ظاهرة جديدة، وإن اختلفت السياقات والدوافع.

ففي ألمانيا النازية، استخدمت منظمة «شباب هتلر» ومؤسسات التعليم لتنشئة أجيال على الولاء للنظام وأفكاره العنصرية والعسكرية. وبعد سقوط النازية عام 1945، واجه المجتمع الألماني تحديا تربويا وفكريا عميقا، استدعى إصلاح التعليم وإعادة النظر في المناهج وتعزيز التربية الديمقراطية.

وفي سيراليون، شهدت الحرب الأهلية بين عامي 1991 و2002 تجنيد آلاف الأطفال واستغلالهم في القتال. وبعد انتهاء الصراع، أطلقت برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وأسهم التعاون بين الحكومة والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية في تسريح أكثر من 6800 طفل وإعادة كثير منهم إلى أسرهم ومدارسهم.

أما كولومبيا، فقد واجهت تحديا مشابها مع تجنيد الأطفال في صفوف جماعات مسلحة، ومنها القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك». وشكل اتفاق السلام عام 2016 مدخلا لإطلاق عمليات تسريح الأطفال وإعادة دمجهم، مع توفير الدعم النفسي والتعليمي والاجتماعي.

هذه التجارب، رغم اختلافها عن الحالة اليمنية، تقدم درسا بالغ الأهمية: إن إنهاء الصراع المسلح لا يعني بالضرورة انتهاء آثاره في عقول الأطفال، وإن السلام السياسي لا يكتمل دون سلام تربوي واجتماعي.

كيف يمكن معالجة المشكلة في اليمن؟

أرى أن التعامل مع هذه القضية ينبغي ألا يقتصر على إدانة التجنيد أو المطالبة بإغلاق معسكرات التعبئة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني طويل المدى لحماية الطفولة وإعادة بناء التعليم.

أولا: لا بد من إطلاق برنامج وطني مستقل لحماية الأطفال المتأثرين بالتجنيد والتعبئة الأيديولوجية، تشارك فيه المؤسسات اليمنية المختصة، بدعم من اليونيسف والمنظمات الدولية. ويجب أن يتضمن البرنامج التقييم النفسي والاجتماعي، وتعويض الفاقد التعليمي، وإعادة الدمج الأسري والمجتمعي، دون وصم الأطفال أو معاملتهم باعتبارهم مسؤولين عن الأفكار التي فرضت عليهم.

ثانيا: ينبغي إخضاع المناهج التعليمية لمراجعة علمية وتربوية مستقلة، تستهدف إزالة المضامين التي تحرض على الكراهية والعنف والتمييز، وترسيخ قيم المواطنة والتعايش والتفكير النقدي. فالمطلوب ليس استبدال أيديولوجية بأخرى، وإنما تحرير المدرسة من التوظيف السياسي والعسكري.

ثالثا: يجب الاستثمار في تأهيل المعلمين والمرشدين النفسيين، باعتبارهم حجر الأساس في إعادة بناء الثقة لدى الأطفال. فالمعلم القادر على إدارة الحوار واحترام التنوع أكثر تأثيرا على المدى الطويل من أي حملة إعلامية مضادة.

رابعا: لا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي. فالفقر وانقطاع التعليم وانعدام الفرص تجعل الأطفال أكثر عرضة للاستقطاب والاستغلال. ولذلك فإن توفير التعليم المجاني، والدعم المعيشي للأسر، والأنشطة الرياضية والثقافية، يمثل جزءا أساسيا من الوقاية من التجنيد.

خامسا: ينبغي أن تتضمن أي تسوية سياسية مستقبلية في اليمن ضمانات واضحة لحماية المؤسسات التعليمية، ومنع تجنيد الأطفال، وإتاحة الرقابة المستقلة على الانتهاكات، مع وضع آليات قابلة للقياس لمتابعة تنفيذ هذه الالتزامات.

وفي هذا السياق، تستطيع المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع المؤسسات اليمنية والمنظمات الدولية، أن تسهم في دعم برامج التعليم والتأهيل النفسي وإعادة الإدماج، ضمن جهود تنموية وإنسانية تحترم احتياجات المجتمع اليمني وخصوصيته.

المعركة الحقيقية هي استعادة الطفولة

من الخطأ الاعتقاد أن معالجة أدلجة الأطفال تتحقق بمجرد تغيير السلطة أو تعديل المناهج. فالأفكار التي تتشكل في ظروف الخوف والعزلة والحرب قد ترتبط بالهوية والانتماء والأمان النفسي، وهو ما يجعل تغييرها عملية معقدة تحتاج إلى الصبر والثقة والبدائل الواقعية.

كما أن من الضروري التفريق بين الطفل الذي تعرض للتعبئة الفكرية وبين المسؤول الذي استغله؛ فالأول يحتاج إلى الحماية والرعاية، أما الثاني فتقع عليه مسؤولية أفعاله وفق القانون.

إن مستقبل اليمن لن يتحدد فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما بما يتعلمه الأطفال داخل الفصول الدراسية، وما يحملونه من تصورات عن الوطن والآخر والحياة.

وقد تنتهي الحروب باتفاق سياسي، لكن آثارها قد تستمر لأجيال إذا ترك الأطفال أسرى للأفكار التي غذت الصراع.

إن أخطر ما يمكن أن تخسره الأوطان ليس جيلا حرم من التعليم، بل جيلا تعلم أن الكراهية علم، وأن العنف فضيلة، وأن الوطن لا يتسع إلا لفريق واحد.

ومن هنا، فإن إنقاذ أطفال اليمن ليس قضية إنسانية فحسب، بل هو شرط أساسي لبناء دولة مستقرة وسلام قابل للاستمرار.