تشهد القطاعات الحكومية في عصرنا الحالي الكثير من التغيرات والتطورات المستمرة؛ مما أدى إلى نشوء حالة من الغموض، وصعوبة في التنبؤ بالأحداث المستقبلية؛ لمواجهتها والتكيف معها بفاعلية، ويُعد قطاع التعليم من أهم القطاعات الحكومية، حيث يقع على عاتقه مسؤولية التنمية في المجتمع.
ولضمان استدامة التعليم وتجويد مخرجاته، أصبح لزاماً على المسؤولين في هذه المؤسسات انتهاج أساليب تساعد على قيادة التغيير؛ وذلك من خلال تبني اتجاهات إدارية حديثة، من أبرزها القيادة الاستراتيجية، على اعتبار أنها جسر يربط الوضع الحالي بالقادم المتوقع، وأداة تساعد الإدارة العليا في مؤسسات التعليم على التخطيط وتحديد الاتجاه والأهداف طويلة الأجل في ضوء العوامل البيئية الداخلية والخارجية من أجل تطوير منسوبيها، ورفع كفاءة خدماتها لتحقيق الميزة التنافسية.
فعلى القيادات في المؤسسات التعليمية امتلاك مفاتيح ذهبية للقيادة الاستراتيجية لكي توصلها إلى ما تصبو إليه في المستقبل، متبنية في تخطيطها أسلوباً استراتيجياً فاعلاً، يعتمد على دقة المعلومات التي يتم جمعها وعلى خبرة وكفاءة من يقع على عاتقهم تجسيد هذه المعلومات إلى فرص وأهداف قابلة للتحقق، بما يتناسب مع ما تملكه من قدرات وموارد داخلية، لا سيما الموارد البشرية وفرق العمل التي تملك القدرات والمعرفة المتراكمة وتسعى دائماً إلى التعلم المستمر ومواكبة أحدث التطورات التي تمكنها من تنفيذ الاستراتيجيات، ومتابعتها أولاً بأول لمعرفة ما إذا كانت تسير بالاتجاه الصحيح المخطط لها، أم أنها بحاجة إلى إجراءات تصحيحية؛ لتقويم مسارها وضمان وصولها إلى أفضل التوقعات، وتحقيق رسالتها وأهدافها بفاعلية ومرونة عالية.
في هذا المقال نسلط الضوء على بعض المفاتيح الذهبية التي تساعد القائد الاستراتيجي في تطوير أداء المؤسسات التعليمية وتجويد مخرجاتها.
المفتاح الذهبي الأول: سمات وخصائص القائد الاستراتيجي
يتسم القائد الاستراتيجي بمجموعة من السمات، تتمثل في امتلاكه لعقلية استراتيجية؛ بمعنى أن تكون لديه عقلية منفتحة تركز على طرح أسئلة: ماذا؟ ولماذا؟ وبعد ذلك كيف؟ ومتى؟، ويكون قادراً على التعلم، وعلى إدراك المعلومات الجديدة وتقييمها وتحليلها والحكم عليها وفي النهاية تطبيقها، والقائد الاستراتيجي يتعلم من خبرته الشخصية ومن خبرات الآخرين، وقادراً على التغيير، ومتمكناً من رؤية الصورة الكبيرة للنظام الذي هو جزء منه، وعلى الانفتاح على الأفكار الجديدة والتفكير الشمولي، وعلى بناء تفاهم مشترك ورؤية واضحة مع الآخرين، ولديه الحكمة التي تتضمن القدرة على الشعور والإدراك وفهم الاختلافات البيئية، والفطنة في فهم الآخرين وعلاقاتهم مع الفاعلين والمؤثرين في المجتمع واتخاذ التصرف الصحيح في الوقت المناسب.
واستخلاصاً لما سلف يمكن تحديد ثلاث خصائص أساسية للقيادة الاستراتيجية هي: الريادة وتتمثل في ربط نظام قيم المؤسسة برؤيتها ومهامها والبيئة المحيطة بها من خلال خطة استراتيجية، والتوافق وتتضمن التأكد من أن الهياكل التنظيمية والأنظمة والعمليات الإجرائية تساهم جميعاً في إنجاز المهام، والتمكين ويتمثل في استثارة الموهبة والإبداع والابتكار في العاملين لإنجاز المهمة.
المفتاح الذهبي الثاني: أدوار ومهارات القائد الاستراتيجي
وتحديدنا للخصائص والسمات يقودنا لذكر أدوار القائد الاستراتيجي التربوي، وتتمثل في التعرف من موقعه في الإدارة العليا على ما يتم في المؤسسة التعليمية، وبناء ثقافة تنظيمية، وتفويض من لديهم القدرة من الموظفين على التطوير وعلى الاستجابة لرغبات المستفيدين، وأخيراً التركيز على الممارسات الأخلاقية في المؤسسة التعليمية. ولذلك ينبغي على القائد الاستراتيجي الذي يؤدي دوره في تطوير أداء العاملين في المؤسسات التعليمية بشكل فاعل، أن يمتلك مجموعة من المهارات الاستراتيجية، منها المهارات الفكرية الاستراتيجية، وتتعلق بالمفاهيم العامة للمؤسسة، والاستراتيجيات والسياسات والتخطيط الاستراتيجي، وتفهم بيئة المؤسسة الداخلية والخارجية، ومن أهم هذه المهارات: التفكير والتخطيط والإبداع والابتكار والقدرة على التصور. المهارات السلوكية الاستراتيجية، وتعني قدرة القائد على التفاعل الشخصي، والتمتع بمهارات اتصال عالية يستطيع من خلالها أن يؤثر في سلوك العاملين ويثير دافعيتهم نحو العمل، والقدرة على التفاوض والإقناع، والتعامل مع الصراعات بفاعلية لتحقيق الأهداف المستقبلية. المهارات الفنية الاستراتيجية، تتضمن قدرة القائد على أداء مهام متخصصة تحتاج إلى خبرة وكفاءة عالية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وتتعلق بالأساليب التي يستخدمها القائد في ممارسة عمله.
المفتاح الذهبي الثالث: مراحل تساعد القائد الاستراتيجي في عملية التطوير
مهما اختلفت الآراء بشأن تعدد مراحل القيادة الاستراتيجية، لتحقيق درجة عالية من الكفاءة والفاعلية في أداء المؤسسات التعليمية، إلا أن جميعها تصب في هذه المراحل، مرحلة التحليل والرصد البيئي: تستند هذه المرحلة على تحليل مكونات البيئة الداخلية والخارجية للمؤسسة، بهدف التوصل إلى نقاط القوة والضعف في البيئة الداخلية، واكتشاف فرص استثمارها، والتهديدات التي قد تعوق عملها، ثم مرحلة صياغة الاستراتيجية، وتشتمل هذه المرحلة على مجموعة من الأنشطة المتمثلة في تحديد رسالة المنظمة ورؤيتها الاستراتيجية، وتحديد الغايات والأهداف طويلة الأجل، ودراسة البيئة الخارجية؛ لمعرفة الفرص والتهديدات، ودراسة الإمكانات الداخلية؛ لتحديد عناصر القوة والضعف والسياسات الملائمة، ووضع البدائل الاستراتيجية، واختيار البديل الاستراتيجي الملائم، ثم مرحلة تنفيذ الاستراتيجية: تعد عملية التطبيق، أكثر مراحل الإدارة الاستراتيجية صعوبة، حيث يتم تنفيذ الاستراتيجيات من خلال: وضع البرامج، والموازنات، والإجراءات، والتغيير في ثقافة المؤسسة، وهياكلها التنظيمية، ونظمها الإدارية، ولغرض تنفيذ الاستراتيجية هنالك ضرورة لإعادة تنظيم المؤسسة، وتشكيل مواردها البشرية بشكل يتلاءم مع توجهاتها الاستراتيجية، مرحلة التقييم والرقابة، هي عمليات السيطرة التنظيمية المستمرة على تطبيق استراتيجيات المؤسسة بصورة مناسبة، بما يضمن تحقيق رسالة المؤسسة وأهدافها الاستراتيجية دون هدر الموارد المادية والمالية والتنظيمية، كما تعمل الرقابة الاستراتيجية على منع أي فشل في تطبيق الخطط والاستراتيجيات، إلى جانب تعزيزها لغرض النجاح وللتأكد من أن مراحل الإدارة الاستراتيجية المختلفة مناسبة، مما يعني أنه "من أجل ضمان فاعلية الرقابة الاستراتيجية؛ لابد أن تحصل الإدارة العليا على معلومات دقيقة، وموضوعية وسريعة من المرؤوسين، ومقارنة ما يجري فعلياً مع ما تم التخطيط له مسبقاً في مرحلة صياغة الاستراتيجية".
المفتاح الذهبي الرابع: عوامل نجاح تطبيق القيادة الاستراتيجية للتطوير
تجدر الإشارة هنا إلى وجود بعض العوامل التي تساعد في نجاح تطبيق القيادة الاستراتيجية، وتمكن القادة من التغلب على المعوقات والتحديات، لعل أبرزها توافر التفكير الاستراتيجي، حيث يشير التفكير الاستراتيجي إلى توافر القدرات والمهارات اللازمة لممارسة مهام القيادة الاستراتيجية، ومن العوامل أيضاً توفر المعلومات الاستراتيجية في الوقت المناسب وذلك بتخزينها إلكترونياً بصورة منظمة يسهل الوصول إليها وقت الحاجة، والاستفادة منها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، توفر نظام للحوافز، حيث يهدف نظام الحوافز إلى التأكد من وجود توافق بين ما يتطلبه التنفيذ الفاعل للخطط الاستراتيجية والحاجات والمطالب للعاملين في المؤسسة الذين يقومون بالتنفيذ، ويكون نظاماً محكماً وعادلاً للمكافآت والحوافز، توفر نظام مالي، حيث يجب أن يكون لدى المؤسسة نظام جيد للإدارة المالية، فإذا لم يكن متوفراً فيفضل أن يعالج ذلك قبل أن يتم تطبيق القيادة الاستراتيجية، حيث إنها تتطلب موارد مالية وبشرية وفنية كبيرة، توفر التنظيم الإداري السليم، ينبغي توفر تنظيم إداري دقيق ومرن قادر على التكيف مع متغيرات الاستراتيجية واستيعاب الأهداف الاستراتيجية وتوفير المعلومات اللازمة لذلك، بالإضافة إلى وجود النظم والإجراءات السليمة التي تسهل أسباب العمل بدل تعقيده أو تعطيله.
ومن واقع خبرتي في الإشراف التربوي في مجال التعليم العام أرى بأن تطبيق المراحل السالفة الذكر بالصورة الصحيحة يسهم في تجويد الأداء ويعطي تصوراً واضحاً عن مدى تحقق الأهداف ومؤشرات الإنجاز في الميدان التعليمي، إلا أن هناك بعض المعوقات التي قد تواجه المسؤولين، وتضعف من إمكانية تطبيق هذه المراحل لتطوير وتحسين أداء المؤسسات التعليمية. كما تضعف من قدرة القادة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية وتطوير أداء الكوادر البشرية، منها قلة الموارد المادية المتاحة في ظل المطالب والاحتياجات المتزايدة، وقلة الوقت المتاح للقيادات التربوية نتيجة الانشغال بالكثير من الأعباء والمهام، ضعف كفاءة الموارد البشرية العاملة وقلة دافعيتها للعمل والتطوير المهني، الجمود في الإجراءات التنظيمية؛ مما يضعف من انسيابية العمل، غياب الفهم المشترك للاستراتيجية؛ مما يسمح للعاملين بوضع أهدافهم الشخصية والسعي وراء تحقيقها، ضعف استيعاب العاملين للطريقة التي تدعم فيها وظائفهم رسالة المؤسسة واستراتيجيتها، تدني التأثير في الآخرين: الرؤساء، المرؤوسين، الزملاء، المعنيين خارج المؤسسة، فقدان الصورة الكبيرة التي تساعد القادة على الانتقال من منظور الوظيفة والقسم إلى المنظور المؤسسي الأشمل وعلاقة المنظمة بالبيئة الخارجية (المحلية والعالمية).
واستخلاصاً لما سلف نجد أن القيادة الاستراتيجية في المؤسسات التعليمية هي عملية إبداعية عقلانية التحليل، وديناميكية مستمرة تسعى إلى تحقيق رسالة المؤسسة من خلال إدارة وتوجيه الموارد المادية والبشرية المتاحة بكفاءة عالية، بالإضافة إلى القدرة على مواجهة تحديات بيئة الأعمال المتغيرة من تهديدات، وفرص، ومنافسة، ومخاطر لتحقيق مستقبل أفضل انطلاقاً من نقطة ارتكاز أساسية في الحاضر. كما أن استخدام أسلوب القيادة الاستراتيجية بطريقة فاعلة في إدارة المؤسسات التعليمية كفيل بأن يسهم في تجسيد الأهداف الاستراتيجية للتعليم، ومن هنا يظهر الدور الرائد للقيادة الاستراتيجية باعتبارها مدخلاً إدارياً حديثاً وفاعلاً للتصدي في وجه المخاطر والتهديدات المفاجئة، حيث تعمل على رسم التوجهات المستقبلية على المدى البعيد وتصيغ الاستراتيجيات الفاعلة والمناسبة بما يضمن تنمية وتطوير القدرات والمهارات لكوادرها البشرية كهدف استراتيجي منشود.
المفاتيح الذهبية للقائد الاستراتيجي
نادية أحمد الغامدي
6 دقائق للقراءة
حجم الخط
شارك هذا المقال
