لم أكن أتخيل يوما أن أكتب عن أحد أقاربي، ذلك الشاب المرح، أكثرنا إقبالا وحبا للحياة بصيغة الماضي، حتى تلك اللحظة لا أصدق أن اسمه يتبعه "رحمه الله"، ولا أن يأتي يوم تصبح فيه ضحكته ذكرى، وصوته شيئا نبحث عنه في زحام الذاكرة، وكأن الجميع أصبح يتمنى لو يسمع صوته مرة واحدة ولو لثوان فقط، لنصدق أن الحياة لم تنتزع من بيننا أحد أكثر الناس إقبالا عليها، لقد كان من أكثر الناس حبا للحياة، دائم الضحك، كأن في داخله نافذة مفتوحة على النور مهما اشتدت عتمة الأيام، كان حضوره يمنحك شعورا بأن العمر ما زال طويلا، وأن أمامه من الأحلام والضحكات واللقاءات ما يستحق أن ينتظره، لم يكن يشبه الرحيل، ولم تكن ضحكته توحي بأن الدنيا قد تخبئ له نهاية مباغتة، لكن الموت لا يختار وفق أعمارنا، ولا يمنحنا إشارات مسبقة، ولا يستثني أولئك الذين نظن أنهم خلقوا ليعيشوا طويلا، فقد يخطف من بيننا إنسانا كان بالأمس يملأ المكان حياة، ويتركنا نتساءل كيف اتسعت الأرض لكل هذا الغياب.

حين تلقيت نبأ وفاته، لم يكن عقلي قادرا على استيعاب الكلمات، ظللت أبحث في داخلي عن احتمال نفي، أو خطأ يكذب الخبر، أو باب صغير يمكن أن تعود منه الحياة لتعتذر لنا عما فعلته، لكنه الموت، الضيف الذي لا يعتذر، ولا يمنح أحدا فرصة أخيرة، يأتي فجأة دون سابق إنذار ويتركنا وحدنا أمام حقيقة أكبر من قدرتنا على الاحتمال، حينها تجمدت قليلا بمكاني، فعدت بالذاكرة للوراء قبل عدة أسابيع قليلة، حين تعرضت لحادث، أذكر أنني أيضا في ذلك اليوم في اللحظات الأولى لم أشعر بحجم ما أصابني، كانت صدمتي أكبر من قدرتي على إدراك حجم الألم بجسدي، وكأن عقلي أغلق أبوابه مؤقتا حتى أستوعب أن شيئا ما قد حدث، بعد مرور عدة ساعات بدأت الفجعة تهدأ، وبدأت أعود إلى نفسي، وأخذ الألم يظهر شيئا فشيئا ويتوغل من بين عظامي، حينها أدركت أنني لم أكن بخير كما ظننت في البداية، في ذلك الوقت الذي عشت تفاصيله مع الوحدة والخوف تعلمت كيف يمكن للإنسان أن يمر بلحظة تفوق احتماله، ولا يشعر فيها بكل ما يحدث له إلا بعد أن تهدأ العاصفة.

بالتأكيد ما حدث لي كان تجربة صغيرة أمام الحقيقة الأكبر التي فرضها رحيل قريبي، فنحن لا ندرك دائما حجم الفقد في لحظة وقوعه؛ أحيانا نحتاج إلى وقت حتى نفهم أن الحياة انقسمت فجأة إلى ما قبل وما بعد، وأن شخصا لن يعود مهما طال انتظارنا، يومها رأيت المشهد الذي لا يمحى من الذاكرة؛ وجوها شاحبة، وعيونا أرهقها البكاء، اتشح الجميع بالسواد، وكأن الحزن لم يكتف بالاستقرار في الصدور، فأراد أن يكسو الأجساد أيضا، بدا كل شيء مختلفا، حتى الوجوه التي أعرفها منذ سنوات، شعرت أنها تكبر أمامي في ساعات، وأن الموت حين يزور بيتا لا يأخذ شخصا واحدا فحسب، بل يترك وراءه أرواحا كثيرة تحاول أن تتعلم كيف تعيش بنصفها الآخر المفقود.

وقفت أمام قبره والدموع تسقط من عيني بغزارة، شعرت أن الفقد القديم لكل من رحلوا قد استيقظ من جديد، وأن الموت لا يأخذ الراحل وحده، بل يستدعي معه وجوها أخرى افتقدناها، وأياما لن تعود، وقطعا من أرواحنا ظلت معلقة بمن سبقونا، أدركت أن الغياب لا يبدأ دائما من اللحظة التي يموت فيها الإنسان، بل يمتد عبر السنوات، ويختبئ في تفاصيل صغيرة، ثم يعود فجأة ليجلس إلى جوارك بكل ثقله، كم نحن هشون أمام هذه الحياة! ننشغل بالخلافات، ونؤجل الزيارات، ونظن أن لدينا متسعا لنقول ما نريد ونصلح ما أفسدناه، ثم تأتي لحظة واحدة لتخبرنا أن الوقت لم يكن ملكا لنا يوما، وأن الإنسان الذي نراه اليوم قد يصبح غدا دعاء نردده، وصورة نطيل النظر إليها، واسما يرتجف القلب كلما مر على ألسنتنا، فالموت لا يحول الأحياء إلى أموات، لكنه يترك فيهم فراغات لا يراها أحد، يمضي الراحلون إلى صمتهم الأبدي، ونبقى نحن نحاول أن نتكيف مع مقاعد خالية، وأصوات غابت، وذكريات أصبحت أثقل من أن تروى دون دموع.

عندما رأيته يدفن، كان التراب يهبط، وشيء في داخلي ينهار معه، كيف يمكن لإنسان كان بيننا قبل عدة ساعات، له صوته وملامحه وضحكته ومكانه، يصبح فجأة جسدا تحت التراب، وذكرى فوق الأرض؟ لكنه الموت الذي لا يختار ضحاياه وفق أعمارهم، ولا يستأذن أكثر الناس حبا للحياة قبل أن ينتزعهم منها، يأتي إلى الشاب كما يأتي إلى الشيخ، ويطرق الأبواب التي نظنها بعيدة عنه، ويترك خلفه سؤالا واحدا لا إجابة له: كيف يمكن لمن كان بالأمس بيننا، يضحك ويتحدث ويحلم، أن يصبح اليوم خبرا نبكيه وقبرا نزوره؟ رحل ذلك الشاب الذي كان يبدو كأنه جاء إلى الدنيا ليضحك فيها، وتركنا نكتشف أن أكثر الوجوه إشراقا ليست محصنة من الغياب، وأن الحياة لا تمنحنا دائما فرصة الاستعداد لما ستأخذه منا، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أرى الموت بصورة مختلفة؛ لم يعد مجرد نهاية بعيدة، بل حقيقة تقف خلف كل لقاء، وتختبئ خلف كل وداع عابر.

رحم الله فقيدنا، وكل من غادروا قبل أن نشبع من وجودهم، ولعل أقسى ما نتعلمه من الموت أن الحياة، مهما بدت ممتدة، قد تختصرها لحظة؛ لذلك لا تؤجلوا المحبة، ولا تبخلوا بالكلمات الطيبة، ولا تتركوا من تحبون ينامون وفي قلوبهم شك في مكانتهم لديكم، فليس أقسى من الموت إلا أن نكتشف بعد فوات الأوان، كم كان الذين رحلوا جزءا من حياتنا، وكم كنا نظن، بسذاجة الأحياء، أن الغد سيمنحنا فرصة أخرى.