النوستالجيا هي حالة وجدانية تجمع بين الحنين، الدفء العاطفي، والتأثر عند تذكر أحداث أو أماكن أو أشخاص من الماضي. قد تظهر عند سماع أغنية قديمة، رؤية مكان الطفولة، أو تذكر لحظة سعيدة مضت، أصل الكلمة يوناني مركب من (Nostos) العودة إلى الوطن، (Algos) الألم أو الشوق.

وفي عالم الترندات الذي أصبح الهاجس الأول في جميع المجالات حتى الاقتصادية منها والسياسية تظل العودة إلى السبعينات والثمانينات أكثرها صمودا فهي تشكل تريندا جماعيا، بدأ من فعاليات تشير إلى الماضي ليتحول إلى رغبة في تحولها لأسلوب حياة فما السر في ذلك؟

هذا الحنين ليس مجرد ترفيه، بل هو آلية دفاع نفسي؛ فبحسب تحليل علم النفس، النوستالجيا تظهر عندما يحاول العقل الهروب من ضغوط الواقع إلى ذكريات يعتبرها أكثر أمانا حتى لو لم تكن تلك الذكريات قد عاشها بشخصه بل قد يكون ذلك الفرد من جيل الألفية الثانية، هم لا يستدعون الحقبة كحدث تاريخي، بل كأسلوب حياة متخيل ببساطة المظهر وهدوء الصورة وملامح غير مصطنعة، بعيدا عن فلترة العصر الرقمي وإحساس بأن الناس كانوا أكثر هدوءا وأناقة ورضا، صورة مثالية تُستخدم كتعويض عن عالم اليوم المزدحم بالضغوط، المقارنات، والقلق.

تتميز تلك العقود بهوية بصرية وموسيقية قوية جدا (أشرطة الكاسيت، ملابس الفينتاج، ألعاب الفيديو الكلاسيكية، موسيقى البوب والروك). يرى الجيل الحالي في هذا الإنتاج أصالة تفتقر إليها بعض منتجات اليوم «المعلبة».
تأثير الواقع الحالي يجعل من السفر إلى الماضي ضرورة حتمية، فكلما اشتد الضغط زاد الحنين.

ففي ظل فوضى المعلومات والإنترنت خُلق شعور بالإنهاك، بينما الماضي يبدو أكثر وضوحا وطمأنينة وما خلفته الثورات والتحولات السياسية، التي أظهرت شعورا بالإحباط دفع البعض للبحث عن «وطن الشعارات» في الماضي، هذه الظروف تجعل من السبعينات والثمانينات تبدوان كملاذ نفسي من واقع ضاغط.

هل هي مشكلة أو ظاهرة يجب القضاء عليها..؟ حقيقة هي في حد ذاتها ليست مشكلة. على العكس تماما، بل قد تكون علاجا نفسيا لكثير من الضغوطات الحياتية التي تفرض أمراضا مخفية كالقلق والتوتر والأرق الليلي وغيرها، فهي وسيلة علاجية لتحسين المزاج وتقليل القلق، كما تمنح الإنسان شعورا بالانتماء والجذور، وتحفز الإبداع ويظهر ذلك في إعادة إحياء الأزياء والديكورات بطريقة مبتكرة استنادا إلى تاريخها القديم.

متى نستطيع القول عنها إنها مشكلة؟ إذا تحولت إلى «هروب مرضي»، بحيث يرفض الشخص الواقع تماما، ويعيش في عزلة، أو يصاب بالإحباط والرفض التام للحاضر والمستقبل، مما يعطل تطوره المهني أو الاجتماعي.

ويبقى الفاصل في طرح سؤال: هل هذا الحنين في سلوكيات محددة كالملابس والموسيقى والديكورات أم أنه رغبة عميقة في العزلة عن الواقع؟ وما الذي دفع إلى تلك الرغبة في العزلة؟

الرغبة في العودة إلى السبعينات والثمانينات ليست رغبة في الزمن نفسه، بل في المعاني التي يمثلها، والدليل على ذلك نسبة تلك الفترة إلى الطيبة بإطلاق مسمى زمن الطيبين.. فهل أنت من زمن الطيبين أم ممن يعيش على (حواديته)؟

eman_bajunaid@