بصراحة، أنا لست من المتابعين لبرامج البودكاست التي انتشرت بأعداد كبيرة في الآونة الأخيرة (خاصة في موقع اليوتيوب)، حيث يتحدث فيها أناس يحملون من التفكير ما شاء لهم (وأنا لست ضد معتقداتهم أو أفكارهم)، لكن هناك لقاءات (أحيانا) أجد نفسي منشدا إلى مشاهدة الحلقة والاستماع إلى محتواها.

قريبا، أذيعت حلقة بودكاست (لن أذكر اسم البودكاست أو اسم ضيف الحلقة) امتد فيها الحوار لما يقارب الساعتين، كان الضيف أحد الأسماء الإعلامية المعروفة، وجدت نفسي مضطرا إلى مشاهدة الحلقة والاستماع لما يقوله الإعلامي عن الأحداث التي تجري رحاها في منطقة الشرق الأوسط. بصراحة محتوى اللقاء كان صدمة معرفية كاشفة للمتابع الحصيف والمثقف والذكي! لماذا؟

اللقاء وضع إرث عقود من الإعلام التقليدي في مواجهة مباشرة مع وعي جيل جديد يرفض التسطيح، المقابلة لم تكن مجرد نقاش سياسي عابر، بل تحولت إلى وثيقة إعلامية تثبت كيف نجحت لقاءات البودكاست الحديثة في تولي مهمة "المحاسبة والتعرية المعرفية" في إعادة صياغة المشهد الإعلامي من جديد.

في هذا اللقاء يمكن للمثقف والمتابع أن يلاحظ الفجوة الحادة بين نضج الأسئلة المطروحة وضبابية الأجوبة المقدمة. فبينما تميز المحاور بطرح أسئلة عميقة تعكس واقع المنطقة وتاريخ صراعاتها المعقدة (خاصة ما يتعلق بمركزية الخطر والعقيدة الفكرية بين طرف وآخر) جاءت ردود ضيف البودكاست مخيبة للتوقعات! كيف؟ بدلا من تقديم قراءة قيادية مستندة إلى البراهين والأدلة، مالت الإجابات إلى دبلوماسية التفافية قفزت فوق الحقائق التاريخية الراسخة. هذا التباين أسقط الهالة التقليدية المحيطة بضيف البودكاست التي تصدرت المشهد لعقود، وعرّى عقلية التحليل السطحي التي يمتلكها الضيف والتي لم تعد تتناسب مع معطيات الواقع الراهن.

نعم، يمكن القول إن وصول مثل هذه العقول إلى هرم المؤسسات الإعلامية (خاصة العربية منها) في الماضي يفسر بوضوح أزمة المصداقية وفقدان الثقة التي عانى منها الإعلام العربي (خاصة)، حيث اعتمدت تلك الحقبة على "الإعلام الوظيفي" الذي يخدم في توجيه الجماهير عبر قنوات الاتجاه الواحد، مع عزل قادة الإعلام خلف الشاشات والمقالات! هذا الاحتكار المعرفي تسبب تاريخيا في تراجع الإنتاجية المعرفية للمشاهد وتقييد رأيه الشخصي، من خلال تعويده على تلقي تحليلات معلبة تفتقر للعمق والمنطق، أليس كذلك؟

باختصار، تأتي لقاءات البودكاست لتعيد كتابة التاريخ الإعلامي وذلك بتعرية التحصينات القديمة. ميزة الحوارات الحرة (التي نشاهدها الآن) إنها تجرد الضيف من أدوات المناورة وتضعه في اختبار علني أمام جمهور (حصيف وذكي ومثقف) يملك أدوات التحقق والمعرفة (في عصر الـAI). هذا التحول في النقاش والطرح يفرض معايير جديدة للبقاء الإعلامي، التي ترتكز على النضج الفكري الحقيقي والكفاءة، معلنا نهاية عصر "الأسماء الرنانة" وبداية عصر المنطق والحجة الاستراتيجية الصلبة، أليس كذلك؟