تُعدُّ الاستدامة الوقفية الركيزة الأساسية لجمعيات القطاع الخيري في العصر الحاضر، ولا سبيل لتحقيقها وضمان فاعليتها في المجتمعات المسلمة إلا بالالتزام بمبادئ الوقف الأساسية المتمثلة في الاستقلالية، وقوة النظارة، والولاية القضائية؛ لما لها من أثرٍ في تعزيز الثقة المجتمعية والتمكين المتبادل بين جمعيات القطاع الخيري والهيئة العامة للأوقاف.

وفي هذا السياق، كتب معالي الشيخ صالح الحصين -رحمه الله- مؤكداً على هذه المبادئ: «امتناع التصرف في أصل الوقف، وقد تحقق بهذا المبدأ حماية الوقف وصونه من طيش المتولين عليه أو سوء نيتهم. يضاف إلى ذلك ما استقر لدى الفقهاء من أن (شرط الواقف كنص الشارع)، مما عزز حماية الوقف وضمن للواقف استمرار صرف وقفه في الأغراض التي يُعنى بها، فضلاً عن ولاية القضاء على الأوقاف» [المجموعة الكاملة لأعمال الحصين، ج4/ص160].

وتجتمع هذه المبادئ الثلاثة لتضمن استقلالية الأوقاف وقوتها وحمايتها من أي اعتداء أو تقصير من النُظار أو غيرهم، كما أن تطبيقها يعزز (الثقة المجتمعية) التي تدفع نحو المزيد من الأوقاف وتنويعها، موفِّرةً بيئة آمنة تُوازِنُ بين المطالب الاجتماعية والبيئية والاقتصادية للمجتمعات والدول، بما يكفل الاستدامة الوقفية والتمكين بالخدمات الاجتماعية حسب الرؤى المأمولة من الأوقاف والقطاع الخيري.

إنني على يقين بوجود خللٍ إداري أو مفاهيمي يستوجب المعالجة، وجديرٌ بـ(الهيئة العامة للأوقاف) -التي أبدعت في حصر الأوقاف وأرشفتها وتنظيمها بجهود مقدرة- أن تتجاوز الدراسة التنظيرية إلى الميدانية؛ لتذليل العقبات التي تعيق تمكين القطاع الخيري بأوقافه وأوقاف الهيئة لسد الاحتياج الخدمي، وصولاً إلى صيغٍ عملية تضمن التكامل الفاعل بين الهيئة والجمعيات الخيرية، التي تُمثّل الوعاء الأهم والنعمة الكبرى لاستيعاب مخرجات الهيئة العامة للأوقاف.

تُثار تساؤلات مجتمعية جوهرية حول أداء الهيئة العامة للأوقاف في تمكين القطاع الخيري؛ لاسيما في الجانب الخدمي التي من أبرزها: هل تلتزم الهيئة في حوكمة برامجها ومشاريعها بأنظمتها وأهدافها التي تضمن التمكين الخدمي كأولوية قصوى؟ وهل تسهم إجراءاتها الإدارية ودخولها في تفاصيل رقابة أوقاف الجمعيات في تعزيز نمو القطاع الخيري وزيادة الثقة المجتمعية؟ وهل يتماشى دورها الحالي مع الرؤى الاستراتيجية الطموحة لتمكين هذا القطاع؟

تتطلب الإجابة عن هذه التساؤلات وبعض التداخلات مراجعات ودراسات ميدانية بالتنسيق مع جمعيات القطاع الخيري، وقياس الأثر وفق معايير الحوكمة والتقييم الدقيق؛ لا سيما أن الرقابة المالية على موارد الجمعيات وأوقافها تقع –بحكم النظام– ضمن اختصاص (المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي) بوصفه الجهة المسؤولة عن الجمعيات ذات الشخصية الاعتبارية.

كما أن تداخل مرجعيات الرقم الموحد (700) بين الهيئة العامة للأوقاف والمركز الوطني ووزارة الموارد البشرية أحدث إرباكاً إدارياً لدى بعض الجهات؛ ربما نتيجة عدم الاختصاص المباشر للهيئة بأوقاف الجمعيات، مما يشكل عائقاً أمام التمكين الخدمي المأمول. والله من وراء القصد.