تطور سنويا آلاف المركبات الكيميائية والمواد الجديدة في مجالات الصناعات الدوائية والغذائية والمواد الاستهلاكية. غير أن اختبار مأمونية هذه المواد بالأساليب التقليدية قد يستغرق سنوات طويلة من البحث المضني، ويتطلب موارد مالية وبشرية ضخمة. ومع هذا التسارع العلمي الهائل، أصبح من الصعب على الطرق التقليدية مواكبة كم المواد المنتجة، وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة مهمة تعيد تشكيل آليات تقييم المخاطر بصورة جذرية.

يهتم علم السموم بدراسة الأضرار الصحية الناتجة عن التعرض للمواد الكيميائية والملوثات والجرعات الدوائية الزائدة. وعلى مدى عقود، اعتمدت هذه الدراسات بشكل رئيس على حيوانات التجارب والخلايا المخبرية لتقييم المخاطر. لكن مع التوسع في تقنيات المواد الحديثة - كتقنيات النانو ذات الخصائص المعقدة التي قد يغير تعديل بسيط فيها من مستوى سميتها تماما - أصبحت الطرق التقليدية تقف عاجزة أمام مواكبة هذا التدفق من حيث الوقت والتكلفة والتطبيقات التشغيلية.

لهذا السبب اتجه الباحثون نحو تطوير «منهجيات النهج الجديد» (New Approach Methodologies)، وهي استراتيجيات تعتمد على استخدام خلايا بشرية ومسح آلي عالي الإنتاجية لاختبار أعداد هائلة من المواد في وقت قياسي، إلى جانب مقارنة المواد الجديدة بمركبات شبيهة سبق دراسة آثارها السمية.

وقد نتج عن هذه التقنيات المتقدمة كميات ضخمة من البيانات الحيوية، مما فتح الباب لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحليلها واكتشاف الأنماط المعقدة التي يصعب على العقل البشري رصدها بالطرق التقليدية. ومن هنا ولد مفهوم «علم السموم التنبؤي» (Predictive Toxicology) الذي يعتمد على تدريب خوارزميات تعلم الآلة لتتنبأ بالسمية استنادا للتركيب الكيميائي والخصائص الفيزيائية. فعلى سبيل المثال، تستطيع البرمجيات التنبؤ باحتمالية تسبب مادة في تلف الكبد، أو الأورام، أو اضطرابات الأعصاب حتى قبل تصنيعها أو اختبارها على الكائنات الحية، مما يختصر سنوات من العمل ويحمي البشرية من المخاطر قبل وقوعها.

ولا تقف تطبيقات الذكاء الاصطناعي عند حدود المعامل والأبحاث، بل تمتد لتلامس واقع حياتنا وممارساتنا اليومية؛ إذ تدعم الجهات التنظيمية والرقابية في تحديد الحدود الآمنة للملوثات البيئية والمواد الحافظة والبلاستيكية والمواد المستوردة، وتضمن مأمونية المنتجات الاستهلاكية والأدوية المطروحة في الأسواق بسرعة ودقة متناهية. كما يسهم التنبؤ المبكر في خفض تكاليف تطوير العقاقير الطبية، وتوجيه الشركات لتصنيع بدائل أكثر أمانا وفاعلية للمريض.

وفي هذا الصدد، يتقاطع هذا التحول العلمي بوضوح مع التوجهات الوطنية الكبرى في المملكة العربية السعودية؛ حيث تولي المملكة اهتماما استثنائيا بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة عبر المبادرات الوطنية والجهود التنظيمية للقطاعات الصحية والرقابية، مما يمهد الطريق لتبني هذه النماذج التنبؤية لحماية الصحة العامة وضمان سلامة البيئة والغذاء.

ولربما في المستقبل القريب، لن يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على اكتشاف السمية بعد تصنيع المادة، بل سيصبح شريكا رئيسا في «تصميم المادة الآمنة» منذ خطواتها الأولى. إن دمج التقنية بعلم السموم يمثل حقبة جديدة تنقذ الأرواح، وتوفر الموارد، وتنقلنا من استجابة رد الفعل إلى الوقاية والتنبؤ الذكي بالمخاطر قبل أن تبدأ.