تقوم المعاملات الاقتصادية في العصر الحديث على استثمار الفرص التجارية والتمويلية والاستثمارية، إذ يتطلع المتعامل الاقتصادي إلى تحقيق عوائد مستقبلية والاستفادة من الفرص المتاحة في السوق. غير أن الخطأ الذي قد يرتكبه أحد أطراف العلاقة القانونية، أو إخلاله بالتزاماته، قد يؤدي إلى حرمان الطرف الآخر من فرصة كان من شأنها أن تتيح له تحقيق منفعة اقتصادية أو تفادي خسارة محتملة.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة التعويض عن فقدان الفرصة بوصفها إحدى الصور التي يثور بشأنها التساؤل حول مدى قابلية الضرر الاحتمالي للتعويض، والضوابط القانونية التي تميز الفرصة الجدية القابلة للحماية القانونية عن مجرد الأمل أو الاحتمال المجرد.

ويقصد بفقدان الفرصة حرمان الشخص من إمكانية جدية ومشروعة كان من المحتمل أن تتيح له تحقيق منفعة أو تفادي خسارة، نتيجة فعل غير مشروع أو إخلال بالتزام تعاقدي أو غير ذلك من الأسباب المنشئة للمسؤولية المدنية.

وتكمن خصوصية هذا النوع من الضرر في اشتماله على عنصرين مختلفين؛ أولهما الحرمان من الفرصة ذاتها، وهو أمر يمكن أن يتحقق بصورة مؤكدة، وثانيهما المنفعة النهائية التي كان من المحتمل تحقيقها لو أتيحت تلك الفرصة، وهي بطبيعتها أمر احتمالي لا يمكن الجزم بتحققه.

فالشخص الذي يحرم، نتيجة خطأ من الجهة المسؤولة، من المشاركة في منافسة تجارية لا يستطيع بالضرورة إثبات أنه كان سيحصل على العقد لو شارك فيها، ولكنه يستطيع متى توافرت الأدلة والقرائن الموضوعية إثبات أنه حرم من فرصة جدية وحقيقية للمنافسة والحصول عليه.

ومن هذا المنطلق، ينبغي التمييز بين الضرر المتمثل في تفويت الفرصة، والمنفعة النهائية التي كان المضرور يأمل تحقيقها نتيجة اغتنام تلك الفرصة؛ إذ إن محل التعويض هو الحرمان من الفرصة ذاتها، وليس كامل المنفعة التي كان يحتمل الحصول عليها. وبناء عليه، لا يجوز افتراض تحقق الأرباح المتوقعة بصورة يقينية، وإنما يتعين تقدير التعويض في ضوء القيمة الاقتصادية للفرصة المفقودة، مع مراعاة مدى جديتها واحتمالات تحقق المنفعة المرتبطة بها والظروف المحيطة بها.

ويجد التعويض عن هذا النوع من الضرر أساسا في القواعد العامة للمسؤولية المدنية في نظام المعاملات المدنية السعودي، إذ نصت المادة (137) على أن الضرر الذي يلتزم المسؤول بالتعويض عنه يتحدد بقدر ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب، إذا كان ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار، كما اعتبرت الضرر نتيجة طبيعية متى لم يكن في مقدور المتضرر تفاديه ببذل الجهد المعقول الذي تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد.

ويقتضي تطبيق هذه القواعد، في نطاق التعويض عن تفويت الفرصة، التحقق من توافر مجموعة من الضوابط، في مقدمتها أن تكون الفرصة جدية وحقيقية وليست مجرد احتمال افتراضي، وأن تكون مشروعة وقابلة للتقدير الاقتصادي، فضلا عن ثبوت حرمان المضرور منها وقيام علاقة سببية بين هذا الحرمان والفعل المنشئ للمسؤولية. كما ينبغي أن تستند المطالبة بالتعويض إلى أدلة وقرائن موضوعية تكشف عن جدية الفرصة ومدى إمكانية تحقق المنفعة المرتبطة بها.

وعليه، فإن مجرد الادعاء بضياع فرصة استثمارية أو تجارية، دون الاستناد إلى وقائع أو مؤشرات موضوعية تدعم جديتها، لا يكفي لترتيب الحق في التعويض؛ ذلك أن الحماية القانونية لا تنصرف إلى الآمال المجردة، وإنما إلى الفرص الحقيقية التي ثبت تفويتها بفعل موجب للمسؤولية.

ومن ثم، فإن تقدير التعويض عن فقدان الفرصة يقتضي تحقيق التوازن بين حماية المضرور من الحرمان غير المشروع من فرصة اقتصادية جدية، وبين عدم تحميل المسؤول تبعة أرباح افتراضية لم يثبت تحققها؛ فالتعويض ينبغي أن يعكس القيمة الاقتصادية للفرصة التي فقدت، لا القيمة الكاملة للمنفعة النهائية التي كان يحتمل الحصول عليها.

Mhdhsan_@