عالم يقترب من حافة الهاوية
شاهر النهاري3 دقائق للقراءةحجم الخط
تبدأ الحروب الكبرى في كثير من الأحيان بإشارات تبدو عابرة؛ تحذيرات أمنية، وإجراءات احترازية، ورسائل طمأنة مؤقتة سرعان ما تعلن انقضاء الخطر وعودة الحياة إلى مسارها المعتاد.
غير أن تكرار هذه المشاهد في المملكة العربية السعودية، وما يرافقها من تهديدات وصواريخ تصل أحيانا إلى أهدافها، يدفعنا إلى ما هو أبعد من القلق على اللحظة الراهنة؛ إلى التساؤل عن الاتجاه الذي تدفع إليه المنطقة، وما إذا كانت تقف على أعتاب مرحلة قد يصعب احتواء تداعياتها.
فما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها الإقليمي من جهة أخرى، يتجاوز بكثير التنافس على النفوذ أو محاولة لإعادة رسم موازين القوة.
نحن أمام مشهد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الهواجس التاريخية، والطموحات السياسية مع الاعتبارات الدينية، بينما تتحول المنطقة إلى نقطة التقاء لمصالح دولية متشابكة، ومؤامرات وخونة يرفعون حرارة المشهد.
وكأن بعض ملامح النظام العالمي الجديد ترسم فوق أرض الشرق الأوسط، وعلى تماس مباشر مع أمن شعوبه واستقرار دوله.
وتكمن خطورة المشهد في أن أدوات الصراع نفسها تغيرت. فالصواريخ الانشطارية فرط صوت وبعيدة المدى، والأنظمة القتالية الذكية، والقدرات التدميرية المتنامية، تجعل من الخطأ الواحد احتمالا مفتوحا لسلسلة من الأزمات المتلاحقة.
وإذا انزلقت المواجهة إلى استخدام أسلحة غير تقليدية أو إلى حوادث إشعاعية واسعة النطاق، فلن تبقى آثارها محصورة داخل حدود دولة بعينها؛ فالماء والهواء والاقتصاد ومستقبل الأجيال لا تعترف بالحدود السياسية.
وعندها قد يغدو الانتصار الذي يتباهى به المنتصر وجها آخر لهزيمة إنسانية شاملة.
وتتفاقم المأساة حين تمتزج النزعات القومية المتشددة بالتوظيف الديني للصراعات، فيقدَّم النزاع بوصفه معركة وجود أو دفاعا مقدسا، بينما تستنزف الموارد وتتراجع فرص التنمية ويختزل مستقبل الشعوب في رهانات القوة.
وحين يتحول الدين إلى أداة تعبئة سياسية، تصبح الحقيقة رهينة التأويل والإيمان الأعمى، ويغدو المنطق موضع شك، وينظر إلى السلام باعتباره ضعفا لا حكمة.
وهنا تبرز المفارقة؛ فالحضارة التي بلغت الفضاء وأنتجت إنجازات تقنية غير مسبوقة ما زالت عاجزة عن ضبط اندفاع القوة وكبح الحسابات الخاطئة. ولعل الخطر الحقيقي لا يكمن في امتلاك أدوات التدمير بقدر ما يكمن في الثقة المطلقة بالقدرة على السيطرة على نتائجها.
صحيح أن هذه المنطقة شهدت عبر تاريخها صراعات تجاوزت حدودها، لكن الكوارث ليست قدرا محتوما.
والعالم اليوم أحوج ما يكون إلى صوت الحكمة قبل ضجيج السلاح، وإلى إرادة دولية تدرك أن أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط ليسا تفصيلا هامشيا في صراع القوى الكبرى، بل أحد أسس الاستقرار العالمي.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال آخر: هل تدفع جهود الوساطة بحرص صادق على إخماد الأزمة، أم أنها تعكس كذلك سعيا لحماية المصالح والحفاظ على النفوذ؟ فحتى دعوات السلام لا تكون دائما بمعزل عن حسابات القوة.
نسأل الله أن يطفئ نيران الفتن قبل أن تتسع دائرتها؛ فحين تفتح أبواب الكارثة، يكتشف الجميع أن إشعال النار كان أسهل بكثير من إخمادها، وأن كلفة التراجع عن الخطأ كانت دائما أقل من كلفة المضي فيه.
shaheralnahari@
