الحجر الأسود ياقوتة من الجنة
أحمد القثمي - الرياض4 دقائق للقراءة

حجم الخط
في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة، وعلى ارتفاع 1.5 متر من صحن المطاف، تتجه قلوب أكثر من مليارَي مسلم وأنظار الطائفين إلى نقطة واحدة يبدأ عندها الطواف وينتهي، إنه الحجر الأسود، أثرٌ من الجنة، وشاهدٌ على عراقة التاريخ وقدسية المكان.
ليس الحجر مجرد حجر، بل هو شعيرةٌ تتجدد، وسنةٌ نبويةٌ محفوظة، ونقطة ارتكاز روحي في قلب الحرم.
حقيقة مادية بأرقام دقيقة
يبدو للناظر أن الحجر الأسود كتلة واحدة، والحقيقة الموثقة تاريخياً أنه يتكون من 15 قطعة صغيرة متماسكة، 8 قطع منها ظاهرة للعيان يمكن للطائف رؤيتها وتقبيلها، أكبرها بحجم حبة التمر، بينما 7 قطع أخرى مغطاة بمعجون خاص من خليط الشمع والمسك والعنبر، وضعت صوناً له.
الوجه الظاهر من الحجر داخل إطاره الفضي يبلغ قطره نحو 30 سم، فيما تبلغ أبعاده الأصلية الموثقة 20 سم طولاً × 16 سم عرضاً، بلون أسود مائل إلى الحمرة، تكتنفه هالة إيمانية لا توصف.
ويحيط به إطار من الفضة الخالصة، يزن كيلوات، صُنع صوناً وحفظاً. وكان أول من طوقه بالفضة الصحابي عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وتتابع الخلفاء على صيانته، وكان آخر طوق قبل العهد السعودي في عهد السلطان العثماني محمد رشاد عام 1331هـ.
وفي العهد السعودي، حظي بعناية فائقة؛ ففي شعبان 1375هـ أمر الملك سعود بن عبد العزيز -رحمه الله- بصناعة طوق جديد من الفضة الخالصة، ثم رُمم الطوق وصُين في عهد الملك فهد بن عبد العزيز عام 1422هـ، امتداداً لعناية الدولة بالكعبة المشرفة ومعالمها.
من الجنة.. قصة النزول واللون
تذكر المصادر الإسلامية أن الحجر الأسود نزل من الجنة، وكان أشد بياضاً من اللبن. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» [رواه الترمذي وصححه].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب».
ولعل أدق وصف تاريخي ما قاله محمد بن نافع الخزاعي حين عاين الحجر يوم رده القرامطة عام 339هـ بعد أن بقي مسلوباً 22 عاماً (من 317هـ إلى 339هـ): «تأملت الحجر وهو مقلوع، فإذا السواد في رأسه فقط، وسائره أبيض، وطوله قدر ذراع».
محطات تاريخية لا تُنسى
مر الحجر الأسود بأحداث جسام:
1. دفن جرهم: لما أخرجت جرهم من مكة، دفن عمرو بن الحارث الغزالين والحجر في بئر زمزم، فشاهدته امرأة من خزاعة وأعادته.
2. حكم النبي قبل البعثة: اختصمت قريش عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر، فحكمهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن 35 عاماً، ووضع رداءه وحملته القبائل.
3. حادثة القرامطة: أعظم محنة، حيث اقتلعه أبو طاهر القرمطي عام 317هـ ونقل إلى هجر، وبقي 22 سنة حتى أعيد عام 339هـ.
السنة.. تقبيل واتباع لا عبادة
تكمن مكانته التعبدية في الاقتداء. فالحجر لا ينفع ولا يضر بذاته، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قبّله: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك».
ويُشرع للطائف أن يستلم الحجر ويقبله إن تيسر من غير مزاحمة، وإلا أشار إليه بيده وكبّر ومضى، فاستلامه ليس شرطاً لصحة الطواف، بل هو نقطة بداية لكل شوط من الأشواط السبعة.
توثيق بتقنية العصر
في إطار عناية الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، شهد الحجر الأسود عام 1442هـ / 2021م أكبر عملية توثيق بصري في تاريخه، باستخدام تقنية Stacked Panorama بدقة وصلت إلى 49 ألف ميجابكسل، واستغرقت أكثر من 50 ساعة عمل، لإبراز تفاصيله الدقيقة التي لا تراها العين المجردة، في مشروع يعد الأول من نوعه لتوثيق المعالم الإسلامية رقمياً.
وتنظم حركة الطائفين حوله وفق خطط تشغيلية دقيقة، تضمن انسيابية تفوق 107 آلاف طائف في الساعة في أوقات الذروة، مع الحفاظ على قدسية اللحظة وسلامة ضيوف الرحمن.
ويبقى الحجر الأسود، بين سواد ظاهره وبياض أصله، شاهداً على تعاقب أكثر من 4 آلاف عام منذ وضعه إبراهيم عليه السلام، ورمزاً لوحدة المسلمين الذين يبدأون من عنده وينتهون إليه، في مشهد إيماني يتكرر كل ثانية على مدار العام.
