الحرمان الشريفان والدفاع الجوي: قراءة في المادة (33) من النظام الأساسي للحكم
عبدالله قاسم العنزي3 دقائق للقراءةحجم الخط
للحرمين الشريفين مكانة لا تحدها الجغرافيا، ولا تنحصر في حدود الدولة؛ فهما قبلة المسلمين وموضع تعلق قلوبهم، وإليهما تتجه أنظارهم في صلواتهم، وتشد رحالهم لأداء مناسك الحج والعمرة والزيارة. ومن هذه المكانة تنبع مسؤولية استثنائية عن حمايتهما وصون أمنهما، وهي مسؤولية تتصل بوجدان الأمة الإسلامية، بقدر ما تتصل بسيادة الدولة وأمنها الوطني.
وفي هذا السياق، تضطلع المملكة العربية السعودية بمسؤولية تاريخية ونظامية تجاه الحرمين الشريفين، لا تقف عند أعمال التوسعة والإعمار وتيسير المناسك، بل تمتد إلى توفير الأمن والرعاية لقاصديهما. وقد عبّرت المادة (24) من النظام الأساسي للحكم عن هذه المسؤولية بوضوح، حين نصت على أن الدولة تقوم بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكنهم من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة. وبذلك جعل النص أمن الحرمين وقاصديهما جزءا أصيلا من واجبات الدولة، وليس مجرد إجراء تنظيمي موسمي. وتبرز أهمية هذا الواجب بصورة أكبر عند النظر إلى التهديدات التي قد تمس أمن الحرمين الشريفين أو تعرض سلامة قاصديهما للخطر. وتتجلى خطورة هذه المسؤولية في ضوء التهديدات الصاروخية التي واجهتها المملكة، حين امتدت الهجمات التي تبنتها جماعة أنصار الله الحوثية لتطال مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهما المدينتان اللتان تحتلان مكانة لا تضاهيها مكانة في وجدان المسلمين. فليس من المقبول، ولا مما يمكن أن يتصوره المسلمون، أن تصبح مقدساتهم أهدافا مشروعة لجماعة أنصار الله الحوثية، أو أن تعرّض سلامتها للخطر.
ولا تقف خطورة هذه التهديدات عند حدود الاعتداء على أمن المملكة، بل تمتد إلى المساس بطمأنينة المسلمين ومكانة مقدساتهم؛ الأمر الذي يجعل حماية الحرمين الشريفين مسؤولية تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعتادة، وتستدعي الوقوف عند النصوص النظامية التي جعلت الدفاع عنهما غاية صريحة من غايات إنشاء القوات المسلحة وتجهيزها.
ومن هذا المنطلق، تبرز المادة (33) من النظام الأساسي للحكم بوصفها نصا يتجاوز التنظيم العسكري إلى تحديد إحدى الغايات الجوهرية لإنشاء القوات المسلحة وتجهيزها؛ إذ نصت على أن الدولة تنشئ القوات المسلحة وتجهزها من أجل الدفاع عن العقيدة، والحرمين الشريفين، والمجتمع، والوطن. وتكمن دلالة النص في أنه لم يترك حماية الحرمين لاستنتاج عام من واجب الدفاع عن الوطن، بل أفردهما بالذكر، وجعلهما غاية صريحة من غايات بناء القوة العسكرية والاستعداد الدفاعي.
وعليه، فإن حماية الحرمين الشريفين لا تنفصل عن منظومة الدفاع الوطني، بما تتطلبه من جاهزية عسكرية وقدرات دفاعية ويقظة أمنية قادرة على مواجهة مصادر التهديد. فاعتراض الصواريخ والتصدي للمخاطر قبل وصولها إلى أهدافها يمثلان جانبا عمليا من هذه المسؤولية، التي تتكامل فيها مهام القوات المسلحة مع سائر مؤسسات الدولة.
وإن الحرمين الشريفين ليسا مجرد موقعين داخل حدود المملكة، بل مقدسان تتعلق بهما قلوب المسلمين في أنحاء العالم. ولذلك فإن الدفاع عنهما يجمع بين حماية أمن الدولة وصون مقدسات الأمة، وهي دلالة دستورية واضحة جسدتها المادة (33)، حين جعلت الدفاع عن الحرمين الشريفين جزءا صريحا من الغاية التي تنشأ القوات المسلحة وتجهز من أجلها، وأثبت الدفاع الجوي الملكي السعودي ذلك للعيان بتصدي وإفشال جميع الهجمات الباليستية على مكة والمدينة.
expert_55@
