غصن الزيتون السعودي في طهران
خالد العويجان4 دقائق للقراءةحجم الخط
المنطقة ليست على ما يرام. حالة من الإرباك السياسي والاقتصادي تخيم في سماء هذا الجزء الهام من العالم. عنوان الحرب يسيطر عليه منذ قرابة عام. حول بعض زعماء العالم الحروب إلى تجارة رابحة غير آبهين بأمن الحلفاء ومصيرهم.
خلال فعالية في ميناء كوربوس كريستي بولاية تكساس الأمريكية، قال الرئيس الأمريكي علانية «إن بلاده تحقق ثروة طائلة بسبب الوضع في الشرق الأوسط». كان يتحدث حينها عن وصول مليون برميل من النفط الفنزويلي لمصاف تكساس، وجاء حديثه عن منطقة الشرق الأوسط في السياق ذاته.
وفي ذلك برأيي إشارة مبطنة لما تهدف له واشنطن من ربط حربها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالناتج عن وضع يدها على النفط الفنزويلي، بعد أن استولى ترامب على كراكاس، في أعقاب خروج الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع يناير المنصرم من غرفة نومه.
ربما تكون عينه على النفط الإيراني، لعدة أسباب، الأول: كسر شوكة النظام الإيراني. الثاني: حرمان الغريم التقليدي الصيني من الإمداد النفطي القادم من المصافي الإيرانية؛ ولا سيما أنه حرم بكين من النفط الفنزويلي الذي يتجاوز 600 ألف برميل يوميا. ثالثا: فتح المجال أمام شركات النفط الأمريكية، لتولي ملف الطاقة الإيراني، وذا له مكاسب ترليونية.
هذا من الناحية الاقتصادية. ماذا عن الجانب السياسي؟ الواقع أنه تضرر من الحرب ضد إيران على الصعيد الانتخابي بحسب آخر الإحصائيات، نظير فشل دعاية الانتصار على طهران. اصطدم بارتفاع تكاليف المعيشة على المواطن الأمريكي، ما أسس شريحة ترفض أفكاره السياسية بالمجمل. لكن بفهم شخصية رجل الأعمال الترامبية، فلا يعنيه ذلك، بقدر اهتمامه بتحقيق مكاسب اقتصادية.
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي عكس سابقه، إذ إنه استفاد من حربه ضد إيران في الانتخابات الأخيرة. كيف؟ لقد استطاع تحويل الاهتمام المركزي الشعبي الإسرائيلي، من فشله في صد اعتداءات السابع من أكتوبر 2023، للنظر له كقائد يمكنه إنقاذ الكيان من التهديدات الإيرانية.
السؤال المشروع باعتبار أن الاثنين استخدما تمديد الحرب لأغراض سياسية انتخابية: ما الفرق بينهما؟ الأول - أي ترامب - ركز على إضعاف إيران وتحقيق إنجاز أمني. الثاني - نتنياهو - عمل على حفظ الأمن الإسرائيلي، ومواجهة إيران كمشروع يشكل خطرا على الكيان برمته. النتيجة؟ أصبحت الحرب ضد إيران تهديدا لحزب ترامب في انتخابات الكونغرس. وبالنسبة لنتنياهو؛ لم يحصل على أغلبية واضحة بحسب النتائج الأخيرة. وإن فاز سيكون بدعم خارجي. أنا هنا لا أتحدث عن أن إيران كقوة استطاعت تركيع الآخر، بل أفسر المعطيات.
على كل حال؛ كل ما سبق مقدمة. قصتي هذا اليوم عن زيارة شغلت الدنيا ومن عليها الأسبوع الماضي، قامت بها شخصيات بالغة الأهمية تابعة لحلف مكة، مثلها وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، وقائد المخابرات التركية إبراهيم قالن، للعاصمة الإيرانية طهران.
ذهب أعضاء الحلف في ظل ظروف حساسة، لدولة تنزف من منطلق أنها جارة ولها تأثيراتها على السعودية وباكستان وتركيا، لا بناء على قوتها. حملوا في ملفاتهم حسب قراءتي الشخصية، تنبيهات واضحة من أن التجاوز على السعودية، فيما لو عادت الحرب بينهم - أي إيران - وأمريكا وإسرائيل، لن يقابل كما قابلته الرياض بالحكمة فيما مضى. فالجميع مضطر للامتثال لبنود حلف مكة، التي يقتضي أحدها اعتبار أن الاعتداء على أي منها هجوما على الجميع.
والحقيقة أن وضع الأوراق على الطاولة الإيرانية من قبل دول متحالفة، يختلف في ميزانه ومضمونه عما لو وضعتها كل دولة على حدة. وقس على ذلك.
وهذا الفهم ينفي كثيرا من التكهنات، التي استنتجت أن ذهاب تلك الأسماء لطهران كان للتوسط الدبلوماسي. منطقيا لو كانت تلك الرؤية صحيحة لكان الزائرون وزراء خارجية التحالف. لكن أن تكون الشخصيات ذات ارتباط عسكري واستخباراتي، أعتقد أن بذلك تأكيدا على تغيير تموضع التحالف من فكرة التأسيس، لتفعيل «الردع الجماعي».
تصورت في أعقاب تلك الزيارة التي يشبهها مراقبون بطوق نجاة لما تبقى من النظام الإيراني، أن تتوقف هجمات جماعة الحوثي الإرهابية على المملكة، دلالة على استيعاب الخطر، الذي يستوجب كف أذى الحوثي من الجهة الجنوبية للسعودية.
لكن الجماعة ما زالت مستمرة في تطرفها ضد السعودية. وهنا تفسيران: إما أن يكون الإيرانيون تغابوا عن فهم الرسالة، للاستمرار في فكرة الصمود وشراء الوقت. أو تعمدوا عدم إصدار أوامرهم للحوثي بوقف الاعتداءات ضد المملكة، لتكريس استقلال الجماعة اليمنية المارقة بالرأي، كما ساقت طهران ذلك لسنوات طويلة، بينما الواقع يؤكد أن تسليح الحوثي برعاية من الحرس الثوري، الذي يتكفل قادته بتشغيل صواريخ باليستية، توجه ضد المملكة من الأراضي اليمنية.
إن صفحات التاريخ ستوثق يوما ما؛ للأمة وللأجيال القادمة والعالم أجمع، أن الرياض تغاضت عن الجراح، وتجنبت استخدام ثقلها وتحالفاتها بحثا عن فرص السلام، واستقرار المنطقة؛ لا عن الحروب ورائحة الدم.
سيكون الشاهد غصن الزيتون السعودي.. المغروس في طهران.
