صديقي كان عائدا من السفر وحدثني عن رحلاته ومشاهداته في الخارج. قال لي: هل تصدق كلما خرجت إلى مكان عام أشاهد أشخاصا من ذوي الإعاقة، فهذا أحدهم يسير بالكرسي المتحرك، والآخر فاقدا للبصر يسير وحده مستعينا بالعصا ومسارات خاصة تقوده إلى وجهته. ويضيف صديقي عندما أتوقف لانتظار الحافلة يثيرني مشهد نزول المزلاج الأوتوماتيكي من الحافلة ليساعد مستخدم الكرسي المتحرك على الصعود بكل سلاسة، وكأن الأمر جزء من طبيعة الحياة اليومية. أشاهد ذوي الإعاقة في كل مكان في الشوارع، وفي الحدائق العامة، وفي المطاعم، وفي وسائل النقل العام. وبعد أن فرغ من حديثه التفت إلي متسائلا باستغراب: أين ذوو الإعاقة في مدينتنا أنا لا أشاهدهم، مع أن عدد سكان المدينة بالملايين؟ وأردف قائلا: الأكيد أنه لا يوجد معاق في مدينتنا؟ فضحكت.. وقلت له: يا صديقي، إن عدم مشاهدتك للمعاقين لا يعني أنهم غير موجودين في الواقع. نحن مثلا لا نشاهد الهواء ولكننا نشعر به حتى بين نسمات الصباح والرياح العاتية. ببساطة، المدينة لم تمنح المعاق فرصة لكي يظهر في مشهدها اليومي.
صديقي العزيز، كيف تتوقع من شخص يستخدم كرسيا متحركا أن يذهب إلى المتجر القريب أو مكان عام وهو غير قادر أصلا على الخروج من منزله، لأن الرصيف لا يسمح له بالمرور. كيف تتوقع منه أن يعبر الشارع المجاور لمنزله ويسير بين الطريق المخصص للسيارات ويدخل إلى مبان لا يمكن دخولها إلا عبر سلالم؟ كيف لفاقد البصر أن يجازف بالمرور دون وجود مسارات إرشادية خالية من العوائق؟ ما هو شعورك عندما تستيقظ كل صباح لتكتشف أن المدينة صممت لأشخاص آخرين؟ هل سوف تخاطر بالخروج أم تختار البقاء في المنزل؟ أنت عندما تتجول في أنحاء المدينة وتجد المعاقين وأصحاب الهمم في كل مكان فهذا مؤشر أن مدينتك استطاعت الاستجابة للشرائح الاجتماعية كافة. إن البيئة العمرانية، ووسائل النقل، والخدمات والمرافق العامة أتاحت لهم فرصة لممارسة حياتهم بصورة طبيعية دون منغصات.
كمخطط عمراني، المدينة بالنسبة لي لا تقاس بجودة شوارعها أو ناطحات السحاب أو مسارات الدراجات أو المباني المزخرفة.. المدينة تقاس بالمجتمع الذي يعيش فيها وقدرتها على استيعاب الجميع بعدالة. المدينة الناجحة هي تلك التي تستجيب لاحتياجات كبار السن، والمعاقين، والأطفال، والنساء كحق أصيل ومعيار أساسي لجودة الحياة لا كعمل خيري أو خدمة شكلية.
إن وجود معايير خاصة لفئة المعاقين غير كاف إذا لم يقترن بآليات تنفيذ تضمن جودة التنفيذ والاستخدام والاختبار، فقد يكون المنحدر موجودا ولكنه شديد الانحدار، وقد يكون المسار المخصص لفاقدي البصر موجودا ولكنه غير قابل للاستخدام لمشاكل فنية.
المدينة هي منظومة متكاملة تستجيب لاحتياجات الجميع وليست عناصر مجزأة تعمل بشكل منفصل. فكيف لمعاق أن يسير في مكان مجهز بالخدمات وعندما يخرج منه لا يستطيع إكمال مساره ليعود إلى منزله؟ علينا أن نسأل بصدق هل وضعنا احتياجات هذه الفئات في عين الاعتبار عند تخطيط وتصميم المدن؟ هل اختبرنا مدى مواءمة المشاريع العمرانية مع احتياجات هذه الفئات أم وضعنا منحدرات وعناصر شكلية توحي للناظرين أنها مخصصة للمعاقين ولكنها غير قابلة للاستخدام؟
الأهم من ذلك كله، علينا أن نعيد صياغة سؤالك الخاطئ من لماذا لا يوجد معاقون في مدينتنا؟ إلى لماذا لا توجد مدينة تستجيب لاحتياجات المعاق؟
لماذا لا يوجد معاقون في مدينتنا؟
وليد الزامل3 دقائق للقراءةحجم الخط
