دول الملايو.. أحلام وصراعات
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
حين نقلب صفحات التاريخ تستوقفنا حكايات الأحلام الكبرى، وكيف تعترضها المصالح والصراعات؛ ومنها ما شهدته شعوب الملايو في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي وجنوب تايلاند، والتي جمعتها روابط اللغة والثقافة والتجارة والإسلام؛ وكان لمكة المكرمة دور بارز في تعزيز هذه الروابط، باحتضانها حجاجا وعلماء وطلاب علم من تلك البلدان، رغم أنف قوى الاحتلال والاسختراب.
سيطر الهولنديون على معظم إندونيسيا، وبسط البريطانيون نفوذهم على شبه جزيرة الملايو وسنغافورة وأجزاء من بورنيو؛ ومن رحم مقاومة الاحتلال ظهر حلم «إندونيسيا الكبرى»، لتوحيد الملايو وإندونيسيا، وتبناه وطنيون منهم إبراهيم يعقوب، مؤسس حركة «الاتحاد الملايوي الشاب» عام 1938م، وفي 13 أغسطس 1945م، التقى بالزعيمين أحمد سوكارنو ومحمد حتا، وبحثوا مشروع الوحدة، لكن الأحداث سبقت الحلم، واستسلمت اليابان للحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وأعلنت إندونيسيا استقلالها بعد أربعة أيام من اللقاء نفسه، بينما بقيت الملايو تحت الحكم البريطاني، واستمر الصراع مع هولندا حتى اعترفت بسيادة إندونيسيا عام 1949م، واستقر إبراهيم يعقوب، الذي تعاون مع اليابانيين في إندونيسيا، وبقي حلم التوحد دون تحقيق، ونالت الملايو استقلالها عام 1957م بقيادة تنكو عبدالرحمن، المنتمي للأسرة الملكية في ولاية قدح، وتأسست ماليزيا عام 1963م باتحاد الملايو وسنغافورة وصباح وسراوق، وبقيت بروناي خارجه، وعارضت إندونيسيا الاتحاد، واستمرت المواجهات حتى عام 1966م، وعارضته الفلبين مطالبة بإقليم صباح، وأُخرجت سنغافورة عام 1965م؛ وبعد انحسار المواجهات، اتجهت الدول للتعاون، ففي عام 1967م، اجتمعت إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند والفلبين، لتأسيس رابطة «آسيان»، للتعاون واحترام استقلال الدول، واتسعت حتى ضمت إحدى عشرة دولة، وكأن المنطقة أدركت أن ما تعذر تحقيقه بالاندماج السياسي، يمكن تحقيق بعضه بالتعاون الإقليمي والمصالح المشتركة.
من أبرز محطات تاريخ الملايو، ما شهدته ماليزيا من تحولات تنموية وسياسية؛ فبعد اضطرابات عرقية عام 1969م، تولى عبدالرزاق حسين رئاسة الوزراء عام 1970م، وأطلق سياسة للحد من الفقر والفوارق الاجتماعية، ثم خلفه حسين أون عام 1976م، وواصل الاهتمام بالوحدة الوطنية، وكان الرجلان صهرين، وعبدالرزاق هو والد نجيب عبدالرزاق، الذي تولى رئاسة الوزراء لاحقا؛ وفي عام 1981م، تولى مهاتير محمد رئاسة الوزراء، وقاد نهضة صناعية وعمرانية، وفي عهده برز أنور إبراهيم، الذي صار نائبا لرئيس الوزراء عام 1993م، واعتبر خليفة مهاتير المنتظر؛ لكن الأزمة المالية الآسيوية عام 1997م فجرت خلافاتهما؛ فأقيل أنور عام 1998م، ثم سُجن، وبعد مغادرة مهاتير الحكم عام 2003م، أُفرج عن أنور عام 2004م، في عهد عبدالله بدوي، وعاد تدريجيا للعمل السياسي، وشهدت البلاد لاحقا أزمة كبيرة بسبب فضيحة صندوق الاستثمار الحكومي في عهد نجيب عبدالرزاق، والمفارقة أن مهاتير الذي أقصى أنور، عاد وتحالف معه عام 2016م لإسقاط حكومة نجيب، رغم أن أنور كان آنذاك في السجن بعد إدانة جديدة؛ ونجح التحالف في انتخابات 2018م، فعاد مهاتير لرئاسة الوزراء، وخرج أنور بعفو ملكي، على أن يسلم مهاتير المنصب إليه لاحقا، لكن الخلافات تجددت، وانهارت الحكومة عام 2020م قبل أن يسلم مهاتير رئاسة الوزراء لأنور؛ وبعد مرحلة من الاضطراب السياسي وجائحة كورونا، وصل أنور لرئاسة الوزراء في نوفمبر 2022م، بينما خسر مهاتير مقعده البرلماني.
أختم بأن المتأمل في مسيرة الملايو يجد أن تاريخ المنطقة لم يكن مجرد تعاقب للاستخراب والاستقلال والحكام، بل حقائق ووقائع تكشف للعالم أن الأحلام قد تتعثر، والخصومات قد تطول، والنجاح لا يكون دائما في تحقيق الأحلام بصورتها الأولى، بل في تجاوز الخلافات ومواصلة البناء.
