لم يكن العدوان الثلاثي على مصر خريف عام 1956 مجرد مواجهة عسكرية استهدفت دولة عربية بسبب قرارها السيادي بتأميم قناة السويس، بل كان لحظة فارقة أعادت رسم معاني التضامن العربي، ووضعت المنطقة أمام اختبار تاريخي لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.
بعد سبعين عاما من تلك الأحداث، يبدو استدعاء هذه الذكرى ضرورة لفهم حاضر المنطقة أكثر من كونه مجرد وقوف أمام صفحات الماضي.
عندما تعرضت مصر للعدوان المشترك من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، كانت المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول العربية التي أعلنت دعمها الصريح للقاهرة سياسيا واقتصاديا وشعبيا. وقد أدرك الملك سعود بن عبد العزيز، رحمه الله، أن المعركة لم تكن تخص مصر وحدها، بل تمس مستقبل الاستقلال العربي برمته، لذلك اتخذت المملكة مواقف داعمة كان لها أثر كبير في تعزيز الموقف العربي والدولي الرافض للعدوان، فقد أعلن الملك سعود التعبئة العامة، واتصل بعبد الناصر قائلا إن «جيش المملكة وأموالها تحت تصرف مصر»، كما قطعت المملكة علاقاتها الدبلوماسية مع لندن وباريس، وفتحت موانئها ومطاراتها للطيران المصري.
غير أن ما يمنح هذه الذكرى بعدا إنسانيا وشخصيا لدى السعوديين هو أن الدعم لم يكن رسميا فقط، بل امتد إلى الشارع السعودي وإلى جيل من الأمراء والشباب الذين رأوا في الدفاع عن مصر دفاعا عن الكرامة العربية المشتركة. ففي مشهد يبدو اليوم أقرب إلى الأسطورة من الواقع السياسي، ارتدى شاب سعودي في الحادية والعشرين من عمره، يحمل اسم الأمير سلمان بن عبد العزيز الزي العسكري، ليقف مع إخوته فهد وتركي في طابور المتطوعين ضمن «فرقة المجاهدين السعوديين» للدفاع عن مصر.
لم يكن هذا الموقف مجرد تضامن عاطفي، بل كان ترجمة عملية لمفهوم الأمن القومي العربي الذي لم يكن آنذاك ترفا خطابيا، بل كان خيارا وجوديا.
ولم تقتصر تلك الروح على الميدان؛ فقد شكل الأمير سلمان، لجنة لجمع التبرعات لمنكوبي السويس وبورسعيد والإسماعيلية، وأشرف بنفسه على جهود الإغاثة، كان الدعم ماليا وعسكريا وسياسيا وإنسانيا في آن واحد.
اليوم، ونحن نستذكر تلك الذكرى السبعين، تبدو الحاجة إلى استدعاء ذلك المشهد أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. ففي وقت تتعدد فيه التحديات وتتشابك فيه الأزمات من غزة إلى البحر الأحمر والخليج واليمن، يعود السؤال نفسه: هل ما زال ذلك الإرث قادرا على تشكيل حاضرنا؟
الجواب، كما يبدو من متابعة المشهد السياسي الراهن، هو نعم، فقبل أيام قليلة فقط، وتحديدا في منتصف أكتوبر الجاري، وجدنا أنفسنا أمام مشهد يعكس الوجه الآخر للعملة، أو بالأحرى الوجه الذي يؤكد أن العلاقة لم تكن يوما طريقا ذا اتجاه واحد، فحين تعرضت السعودية لهجمات من ميليشيا الحوثي استهدفت الحرمين الشريفين ومطار الملك خالد الدولي ومنشآت أرامكو، لم يتردد الرئيس عبد الفتاح السيسي في الدعوة إلى جلسة طارئة للبرلمان لمنحه تفويضا بالدفاع عن السعودية إذا طُلب منه ذلك، وصدق البرلمان بأغلبية تجاوزت 90 بالمئة في 26 أكتوبر على التفويض.
هنا بالتحديد تتجلى قيمة الذكرى، فما فعله الأمير سلمان الشاب في 1956 لم يكن مجرد «مشاركة رمزية» في حرب بعيدة، بل كان استثمارا في شراكة استراتيجية ظلت تتجدد عبر الأجيال. وما يفعله الرئيس السيسي اليوم ليس «ردا للجميل» بالمعنى العاطفي الضيق، بل هو إدراك بأن الأمن القومي المصري والسعودي مترابطان بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصير.
وبعد سبعة عقود، تبدو تلك اللحظة أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ إنها مرآة لما يجب أن تكون عليه العلاقات العربية في زمن التحولات الكبرى، فالمملكة ومصر اليوم ركيزتان أساسيتان لاستقرار المنطقة، والشراكة الاستراتيجية بينهما لم تعد مجرد تنسيق سياسي، بل مشاريع عملاقة، وتنسيق أمني، ورؤية مشتركة لمستقبل الخليج والبحر الأحمر وشمال أفريقيا. رؤية 2030 السعودية، والطموحات التنموية المصرية، تلتقيان في قناعة واحدة: أن قوة العرب تكمن في تماسكهم، لا في تشرذمهم.
ومن هنا تبرز أهمية النموذج السعودي المصري المعاصر؛ فالعلاقة بين الرياض والقاهرة لم تعد محكومة فقط بذكريات التاريخ، بل أصبحت عنصرا أساسيا في معادلات الاستقرار الإقليمي. وإذا كانت أحداث عام 1956 قد أثبتت أن التضامن في أوقات الأزمات ضرورة وجودية، فإن تحديات اليوم تؤكد أن التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين القوى العربية الكبرى أصبح شرطا لتحقيق التنمية والاستقرار وحماية المصالح العربية.
المنطقة تمر بتحديات معقدة: أزمات إنسانية مستمرة، ومحاولات لفرض معادلات جديدة بالقوة، وسباق على النفوذ في ملفات حساسة، في مثل هذه الظروف، يصبح استحضار تجربة 1956 ضروريا، فعندما تكون المصالح العليا واضحة، والثقة متبادلة، يصبح التضامن فعلا لا قولا.
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، الذي وقف يوما متطوعا في صفوف الدفاع عن مصر، يقود اليوم سياسة خارجية سعودية مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تؤكد أن استقرار مصر جزء لا يتجزأ من أمن المملكة والمنطقة كلها، والعكس صحيح.
والدرس الأعمق من تلك الذكرى ليس فقط في صد العدوان، بل في بناء جسور لا تنهار مع تغير القيادات والظروف، فالأجيال الجديدة في الرياض والقاهرة بحاجة إلى أن تعرف أن العلاقة بين البلدين ليست وليدة اللحظة، بل ممتدة بجذور عميقة في الدم والموقف، وعندما يتطوع أبناء الملوك في خندق واحد، فإن ذلك يعني أن الأمة كانت ولا تزال تملك القدرة على تجاوز الحسابات الضيقة.
سبعون عاما مرت على ذلك العدوان، لكن ما بقي هو الدرس: أن الدول لا تبنى بالشعارات، بل بالمواقف التي تتخذ في لحظات الخطر.
تبقى الإشكالية أن الذاكرة الجماعية باتت قصيرة، والمنصات الرقمية تختزل التاريخ في صور ومقاطع لا تحتمل التأمل لكن في الذكرى السبعين، ربما يكون الأجدى أن نتوقف قليلا أمام تلك الصورة النادرة للملك سلمان بزيّه العسكري، لا لنقول «كيف كان الأبطال»، بل لنسأل أنفسنا: ماذا نفعل نحن اليوم لنستحق أن نكون امتدادا لهم؟
في الذكرى السبعين، لا نحيي فقط موقفا تاريخيا، بل نجدد العهد بأن تبقى مصر والسعودية جناحي الأمة، وأن يبقى صوت التضامن أعلى من ضجيج الفتن ومعارك وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تنسى كيف وقفت معا في ساعات الشدة.
السعودية ومصر عهد الدم
سعود المشهور5 دقائق للقراءةحجم الخط
