هل توجد مواد كيميائية تساعد على السمنة؟
نبيل عبدالحفيظ الحكمي3 دقائق للقراءةحجم الخط
في عام 2006، اقترح عالما الأحياء التطويرية والخلوية «بروس بلومبرغ» و«فيليكس غرون» مصطلحا أثار انزعاج عدد من زملائهما: «المواد المسببة للسمنة» (Obesogens). كانت فكرتهما أن بعض المواد الصناعية قد لا ترتبط بالسمنة فقط، بل تتدخل مباشرة في الآليات الخلوية التي تحدد كيف يخزن الجسم الدهون.
بدأت القصة مع مادة تسمى «ثلاثي بيوتيل القصدير»، استخدمت لسنوات في طلاء هياكل السفن لمنع نمو الكائنات البحرية عليها، ثم حظرت عالميا في هذه الاستخدامات منذ عام 2008. وجد فريق «بلومبرغ» أنها تنشط مستقبلين خلويين، هما «مستقبل الريتينويد» و«مستقبل غاما» المنشِط لتكاثر البيروكسيسوم (PPAR-gamma)، يعملان معا كمفتاح يحول الخلية الأولية إلى خلية دهنية.
في التجارب الحيوانية، لم تؤدِ المادة إلى زيادة الوزن فقط، بل بدا أنها تزيد عدد الخلايا الدهنية بصورة قد تستمر طويلا. وفي بعض التجارب، ظهرت آثار لدى أجيال لاحقة لم تتعرض للمادة مباشرة. وقد لخص «بلومبرغ» الفكرة بصورة بسيطة: الفئران لا تأكل أكثر ولا تتحرك أقل، لكنها تحمل دهونا أكثر.
لو صح ذلك عند البشر عزيزي القارئ، فهذا يعني أن معادلة السعرات ليست القصة كاملة. فالطاقة الداخلة والخارجة ما زالت مهمة، لكن بعض المواد قد تغير الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع هذه الطاقة، أو ترفع الوزن الذي يحاول الجسم الدفاع عنه.
لكن يجب الحذر من المبالغة. كثير من الدراسات أجريت على الحيوانات بجرعات قد تكون أعلى من تعرض البشر المعتاد. أما الدراسات السريرية على البشر فمعظمها رصدية (أي فقط يتم الملاحظة)، ويصعب فيها فصل أثر المادة الكيميائية عن الغذاء والدخل والبيئة ومكان السكن. كما أن الأسباب الرئيسية لانتشار السمنة واضحة: طعام عالي الطاقة متوافر طوال الوقت، وتصنيع يجعل الأطعمة شديدة الجاذبية، وقلة الحركة، وقصر النوم، والاعتماد على السيارة بدل المشي.
لذلك، من يقول إن المواد الكيميائية وحدها تفسر السمنة الحديثة يبالغ. الفكرة الأكثر واقعية هي أن بعض التعرضات قد تجعل شخصين يستجيبان بصورة مختلفة للنظام الغذائي نفسه.
وتشمل قائمة المواد المشتبه بها البيسفينولات الموجودة في بعض العبوات والإيصالات، وبعض الفثالات المستخدمة في البلاستيك اللين والعطور، وعددا من المبيدات، والمواد الكيميائية الأبدية (PFAS). وبعضها معروف أصلا بأنه يؤثر في نظام الهرمونات، لذلك فإن احتمال تأثيره في الاستقلاب ليس فكرة بعيدة.
أخطر ما في هذه الفرضية هو توقيت التعرض. فالجنين والطفل لا يتعاملان مع المواد الهرمونية كما يتعامل معها البالغ. أثناء النمو، تفتح نوافذ بيولوجية ثم تغلق نهائيا. وقد يؤدي التعرض في الرحم أو الطفولة المبكرة، حتى بجرعات لا تؤثر في الكبار، إلى تغيير عدد الخلايا الدهنية أو حساسية أنظمة الشهية والشبع لسنوات طويلة.
هذا الموضوع مهم في السعودية والخليج العربي، حيث ارتفعت السمنة خلال جيل واحد تقريبا. لدينا أيضا غذاء معبأ على نطاق واسع، وكثير منه ينقل ويخزن في حرارة شديدة، ما قد يزيد انتقال بعض المواد المضافة من العبوة إلى المحتوى. ورغم وجود دراسات متفرقة، لا نملك حتى الآن صورة منهجية لمستويات التعرض في السكان.
هناك جانب إنساني لا يقل أهمية. كثيرا ما يعامل المصاب بالسمنة وكأن جسمه شهادة على ضعف إرادته. لكن إن كان جزء من الاختلاف بين الناس مرتبطا بتعرضات لمواد لم يختاروها، وربما حدثت قبل ولادتهم، فإن لغة اللوم تصبح غير عادلة علميا وأخلاقيا.
أدوية إنقاص الوزن الحديثة فعالة ومهمة، لكنها تعمل غالبا على الشهية والشبع بعد أن تكون المشكلة قد تشكلت. علاج النتيجة لا يغني عن دراسة الأسباب السابقة لها.
أخيرا، السعرات مهمة، لكنها ليست كل شيء. وربما يكون الجزء الناقص من المعادلة موجودا في العبوة والطلاء والغبار والماء، لا في إرادة الشخص الواقف على الميزان.
nabilalhakamy@
