تدور الانتخابات الإسرائيلية هذه الأيام بين هارب من العدالة اسمه بنيامين نتنياهو، ومعارضة لا تقدم بديلًا أخلاقيًا أو سياسيًا، بل تتنافس مع حكومته على إرضاء مجرمي المستوطنات، ومجاراة عنفهم وكراهيتهم واحتقارهم بل إنكارهم لحقوق الفلسطينيين.

نتنياهو ليس رئيس وزراء يبحث عن ثقة شعبه بقدر ما هو متهم يبحث عن مخرج من محاكماته.

تلاحقه قضايا فساد ورشوة وخيانة أمانة، ويظل منصبه بالنسبة إليه درعًا سياسيًا يحتمي به من عواقبها. وخارجيًا فهو مطلوب للمحكمة الدولية.

ولكنه يتعامل مع إسرائيل ومؤسساتها وكأنها ملك شخصي، ويوظف السلطة في معركة بقائه، رابطًا مصير الحكومة بمصيره، ورهن الدولة بحساباته.

وفي المقابل، ماذا تقدم المعارضة؟
فأين مشروع السلام، وأين العقل السياسي، وأين الاستعداد للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني؟ وسط معسكرات هذه المعارضة الواسعة، لا نرى منافسة على اتباع الأنظمة العالمية وإنهاء الاحتلال، بل مزايدة على التشدد.

كل منافس يريد أن يقنع المستوطن بأنه داعم، وأشد تطرفًا، وأكثر استعدادًا لبناء المستوطنات، وهدم البيوت الفلسطينية، ومصادرة الأرض، وتوسيع دائرة القتل.

إنها منافسة على من يستطيع أن يكون أكثر قسوة، لا على من يستطيع أن يكون أكثر عدلًا.

هذه ليست ديمقراطية بالمعنى الذي يتغنى به المدافعون عنها؛ إنها ديمقراطية مختلة تعمل داخل منظومة الاحتلال مؤدية لانقلاب أغلب شعوب الأرض على أفعالها.

قد تكون صناديق الاقتراع منتظمة، لكن انتظام الصندوق لا يمنح الظلم شرعية أخلاقية؛ كونه لا يضع إنهاء الاحتلال وحقوق الفلسطينيين ضمن أساس المنافسة.

قد تتبدّل الوجوه، لكنها لا تبدّل طبع الجريمة. قد يأتي مستوطن ببدلة، أو جنرال بربطة عنق، مع بقاء الأرض الفلسطينية مستهدفة، والدم الفلسطيني بلا ثمن.

والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الإعلام العربي يتابع هذه الانتخابات بحماس، كما لو أن مصير المنطقة معلق باسم الفائز، وكأن رحيل نتنياهو سيضع حدًا للاحتلال، أو أن وصول خصمه سيعيد الحقوق إلى أصحابها، وذلك وهم لا يسنده تاريخ الاحتلال العنصري، ولا سلوك القوى المتنافسة على حكم إسرائيل.

فالفلسطيني لا يحتاج إلى تغيير اسم من يحكمه، بل إلى إنهاء المنظومة التي تسلبه أرضه وحريته.

أما مشاركة النواب العرب في الكنيست، فلا تمنح النظام شهادة براءة، ولا تمحو طبيعته التمييزية. وجودهم لا يكفي لتجميل صورة دولة تستمر في سياسات الإقصاء والاستيطان، وتتعامل مع حقوق الفلسطينيين باعتبارها عبئًا تفاوضيًا لا حقًا أصيلًا. وحين تتعارض أصواتهم مع مصالح القوى المهيمنة، تظهر حدود تأثيرهم بوضوح.

المسرحية الساخرة إذن ليست في تبديل الأسماء، بل في تسويق التبديل باعتباره تغييرًا للحبكة والمصير.

نتنياهو يريد النجاة من محاكماته، ومنافسوه يريدون السلطة، بينما يدفع الفلسطيني ثمن السباق كله من مخيماته.