تعتبر لعبة الغميضة واحدة من أقدم الألعاب الشعبية التراثية التي نشأ عليها ملايين الأطفال حول العالم. تقوم فكرتها البسيطة على قيام لاعب واحد (الباحث) بإغلاق عينيه والعدّ تصاعديا، بينما يسارع بقية اللاعبين بالاختباء في أماكن سرية ومظلمة، ليبدأ الباحث رحلته في التقصي للإمساك بهم وإخراجهم إلى العلن، وتمارس في مختلف الثقافات بأسماء متعددة مثل الغميمة أو المغبى في السعودية أو الاستغماية في مصر، وليس من بيننا من لا يعرف هذه اللعبة أو يلعبها.

ترتكز هذه اللعبة على أربع قواعد لا تكتمل من دونها وهي: (الاختباء، البحث، المناورة، الوصول إلى «العلامة الآمنة») لعبة الغميضة لم تعد لعبة تكتيكية عن البحث والاختباء بل أصبحت تعبر بطريقة ما عن تفاعلات سياسية تساعد في تبسيط فهم المشهد الإقليمي، وتقدم إطارا رمزيا لفهم التفاعلات، المناورات، ومحاولات كشف النوايا بين الأطراف المختلفة.

»إغماض العين«

تمارس بعض القوى الدولية الكبرى نوعا من «التعامي المقصود» أو إغماض العينين عن الانتهاكات والتهديدات المستمرة التي تواجهها المنطقة. هذا التغافل يمنح الميليشيات والجماعات العدائية وقتا إضافيا لترتيب أوراقها وتطوير مسيراتها وصواريخها في عتمة المواقف الدولية المتراخية.

«العثور على ملاذ آمن لا تطاله الأعين»

في الصراعات العدائية الموجهة ضد المملكة العربية السعودية والاستقرار الإقليمي، برعت الأطراف الوظيفية (مثل ميليشيا الحوثي) في الاختباء الفعلي والسياسي. إنهم يختبئون خلف التضاريس الجبلية المعقدة، وفي شبكات الأنفاق، والأخطر من ذلك: الاختباء خلف المدنيين والأعيان المدنية لاستخدامهم كدروع بشرية، محتمين بالقوانين الدولية التي تمنع استهدافهم، ليمارسوا من وراء هذا الخفاء هجماتهم الغادرة.

في صيغة مطورة من اللعبة، قد يختبئ «المحرك الأساسي» خلف لاعبين آخرين يرسلهم إلى الميدان. هذا تماما ما تفعله القوى الداعمة لميليشيا الحوثي؛ إنها تختبئ في الظل، ويغمض العالم عينيه عن محرك الدمى الحقيقي، بينما تترك الميليشيات في الواجهة لممارسة العداء واستهداف أمن المملكة العربية السعودية وممراتها المائية. هي لعبة اختباء سياسي يتنصل فيها الجاني الحقيقي من المسؤولية بمجرد العودة إلى «المربع الآمن».

هناك لحظة ينتهي فيها العدّ، ويفتح الباحث عينيه ويبدأ بالتحرك الجاد لكشف كل المخابئ. لطالما كانت المملكة العربية السعودية هي الطرف الحازم الذي يرفض القبول بقواعد هذه اللعبة الخبيثة. بفضل اليقظة الاستخباراتية، والدفاعات الجوية السيادية (مثل منظومات باتريوت)، والدبلوماسية الصارمة، تمكنت السعودية من تعرية هذه المخابئ. لم تعد المناورات السياسية وشعارات الممانعة المزيفة قادرة على حجب حقيقة الصواريخ والمسيّرات الموجهة نحو المنشآت الاقتصادية والمدنية السعودية.

إن اللعبة السياسية التي تمارسها القوى العدائية تعتمد على الظلام، والمراوغة، وإنكار الأفعال. لكن القواعد الجيوسياسية تثبت دائما أن المخابئ لا تدوم، وأن يقظة الصقر السعودي قادرة على كشف خيوط اللعبة الإقليمية. وفي نهاية المطاف، سيكتشف أولئك الذين اختبأوا خلف الوكلاء والأنفاق، أن شمس الاستقرار البناء والتنمية التي تقودها المملكة ستشرق لتكشف كل من حاول العبث بأمن المنطقة في عتمة الليل.

تجلت الحكمة السعودية في اعتماد استراتيجية صابرة وثابتة تعتمد على تفكيك الأزمات وإحباط المخططات العدائية عبر ثلاثة مسارات حكيمة.. النفس الطويل والاحتواء الاستراتيجي والدبلوماسية الوقائية، فالقيادة السعودية تدرك أن الأطراف العدائية تسعى دائما لجرّ المنطقة إلى حروب شاملة ومفتوحة تستنزف الطاقات وتعطل التنمية. لذلك، تمثلت الحكمة السعودية في امتصاص الاستفزازات، والتعامل مع التهديدات العسكرية (مثل الصواريخ والمسيّرات) بأسلوب دفاعي واحترافي صارم عبر منظوماتها الجوية الفائقة، دون الانزلاق إلى فخ التصعيد العسكري غير المحسوب، مما فوت الفرصة على المتربصين لإشعال حرب إقليمية.

الدبلوماسية الوقائية وبناء التحالفات

تتحرك المملكة في مواجهة «مخابئ» الأعداء السياسية بنشر الحقائق وتعرية الوكلاء أمام المجتمع الدولي، وقد اعتمدت الحكمة السعودية على تثبيت الموقف القانوني للمملكة كدولة داعمة للسلم ومحاربة للإرهاب، وبناء شراكات استراتيجية متوازنة شرقا وغربا (مع القوى الكبرى) لضمان أمن الممرات المائية وتدفق الطاقة العالمي، مما جعل أمن المملكة جزءا لا يتجزأ من الأمن الدولي، محاصِرة بذلك الأطراف العدائية دوليا وعازلة إياهم في زواياهم الضيقة.

التنمية كأقوى سلاح للردع

(رؤية 2030) تجلت قمة الحكمة السياسية في قرار المملكة بعدم رهن مستقبلها ومشاريعها بالصراعات المحيطة، في الوقت الذي تحاول فيه القوى العدائية نشر الفوضى والدمار، وقد ركزت السعودية على، المضي قدما في مشاريع رؤية 2030 وتحويل المملكة إلى مركز اقتصادي وسياحي وتقني عالمي، كما أثبتت فشل استراتيجية الأعداء؛ فالصواريخ والمناورات لم توقف عجلة البناء، بل تحولت السعودية إلى وجهة جاذبة للاستثمارات العالمية، مما يبعث برسالة عملية حاسمة بأن أدوات الهدم لا يمكنها الانتصار على مشاريع البناء والاستقرار.

إن حكمة التصدي السعودية أثبتت أن «طول النفس» ليس ضعفا، بل هو إدراك عميق لموازين القوى وإيمان بأن الأفعال البنائية هي التي تبقى في النهاية. لقد نجحت المملكة بحنكتها في تحويل التهديدات إلى فرص لتعزيز سيادتها وتأكيد مكانتها كقائد إقليمي صامد وركيزة استقرار لا يمكن تجاوزها أو هز استقرارها.