تحليل أحداث المنطقة وغيرها
صدقه يحيى فاضل3 دقائق للقراءةحجم الخط
باختصار شديد، عندما يمسك أحد المختصين المهنيين قلمه ليكتب تحليلا سياسيا لوضع سياسي معين، في مكان وزمن معينين، في عالمنا العربي، أو يتأهب للحديث عن ذلك الوضع، يجب أن يستحضر ذهنه بعض مبادئ «علم السياسة»، والوضع السياسي العام بالمنطقة العربية ككل، وما تتسم به هذه المنطقة حاليا من خصائص سياسية وحضارية... جعلتها أكثر مناطق العالم سخونة واضطرابا، وعدم استقرار. فمن الصعب (مثلا) عزل ما يجري في كل من: العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن ومصر وليبيا والصومال، وغيرها، عما تنفرد به هذه المنطقة من خصائص، وما تحفل به من حراك دولي، ومن أفعال قوى إقليمية ودولية، وغير دولية، متنافرة، ومتضاربة المصالح، وما يوجه نحو أغلب بلاد المنطقة من سياسات، وخطط، ومؤامرات، ومناورات، وأهداف (يشار إليها بـ«المصالح»). وقد يكون بعض ذلك صحيحا بالنسبة لمناطق العالم الأخرى. ولكنه أكثر تواجدا وسخونة في منطقتنا العربية.
لفهم «الوضع السياسي العام» للمنطقة، لا بد من فهم واستيعاب عدة مفاهيم ونظريات وأطر علمية سياسية، بل وتطبيقها في التحليل المعتزم، أرى أن أهمها: النظام العالمي الراهن، سياسات القطب الأمريكي نحو المنطقة، سياسات الكيان الإسرائيلي، حراك الاستعمار الجديد بالمنطقة، التيارات الإسلاموية المختلفة، الطائفية، المذهبية، إضافة إلى دراسة أنواع الحكومات (وهذا هام جدا) وأبرز خصائص ونتائج النوع السائد بالمنطقة. وأيضا سياسات القوى الإقليمية غير العربية، وسياسات القوى العالمية الكبرى (الاتحاد الأوروبي، روسيا، الصين، الهند) تجاه المنطقة.
وقبل كل شيء، أكرر التأكيد أن المحلل السياسي يجب أن يحظى بإلمام مبدئي، على الأقل، بـ»علم السياسة» ونظرياته ومفاهيمه الرئيسة. فمعظم ما يقوم به هو من هذا العلم، وإليه. وليس مطلوبا أن يكون المحلل السياسي حائزا على بكالوريوس في العلوم السياسية. ولكن، لا بد له أن يكون ملما بطرف من علم السياسة. فكثيرا ما يظهر غير المتخصص عندما يقوم بدور المحلل السياسي «كمن يبيع بصلا، وهو عطار».
يعرف «التحليل السياسي» بأنه: فن دراسة الظواهر السياسية، وتحليلها. وعملية إدراك الموضوع وتفكيكه لتحديد المؤثرات والأسباب، بغرض الوصول لفهم واضح، ونتيجة تعي المتغيرات.
ويمكن اتخاذ التعريف العام لـ»السياسة» بأنها: الأهداف التي يسعى طرف لتحقيقها تجاه طرف آخر، والوسائل التي يتبعها لتحقيق هذه الأهداف، يمكن اتخاذه إطارا لتحليل كثير من الأحداث السياسية.
لو حاولنا فهم وتحليل الوضع السياسي الراهن في اليمن (مثلا) فإن تحليلنا لن يكتمل، أو يكون سليما، ما لم تستحضر كل أو معظم العوامل المؤثرة المذكورة هنا. صحيح أن المشكلة الأساسية يمنية... ولكن الأصح أنه إضافة إلى معاناة اليمن - كغيره من البلاد العربية - من: الإسلاموية والطائفية والمذهبية والقبلية والاستبداد السياسي، فإن اليمن لا شك يعاني ويتأثر أيضا - وبالتلازم مع ذلك - بـ«العوامل الخارجية»، المتمثلة في: معطيات النظام العالمي السائد الآن، وسياسات أمريكا نحو المنطقة، وسياسات القوى الإقليمية غير العربية، والكيان الإسرائيلي، وحتى الاتحاد الأوروبي، وروسيا والصين. إذ تنعكس سياسات وتحركات هذه الأطراف (بشكل أو بآخر) على أغلب ما يجري باليمن وغيره حاليا، وبشكل مباشر أو غير مباشر.
«العوامل الداخلية» و«العوامل الخارجية» المعروفة هي إذًا، التي تقف - بعد إرادة الله - وراء معظم ما يجري (سياسيا) في اليمن، وغيره، وفي غالبية الدول العربية. ولا بد من تكرار التأكيد على ضرورة تسليط الضوء على هذه العوامل (وتأثيراتها المختلفة) على الأحداث السياسية الهامة بهذه المنطقة، عند محاولة فهم هذه الوقائع، فهما موضوعيا كاملا ومتكاملا.
ولا بد من التذكير هنا بأن «العوامل الداخلية» هي الأقوى تأثيرا، والأكثر وقعا وتمكنا وتمكينا. بل إن كثيرا من العوامل الخارجية ما كان لها أن توجد، أو أن يكون لها أي تأثير يذكر، لو لم تكن هناك عوامل داخلية تساعدها على التواجد والتأثير، وتمهد لها طريق التدخل. ومن أوضح الأمثلة التي تؤكد هذه الحقيقة السياسية العتيدة هي: أن استشراء الطائفية المنفلتة، والمذهبية الإقصائية داخليا يقود - بالضرورة - لضعف الجبهة الداخلية للبلاد المعنية، وجعلها بيئة متاحة للتدخلات الخارجية، المغرضة غالبا. لذلك يجب لوم الذات أولا قبل لوم الآخرين، على أغلب جراح المنطقة.
