إن من أركان الإيمان الإيمانَ بقضاء الله وقدره، والرضا بما قدّره الله تعالى على عباده من السراء والضراء، مع اعتقاد أن ما يجري عليهم من خير أو شر ابتلاء وحكمة، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.

وقد اختلف العلماء في مسألة: أيهما أفضل، (الغني الشاكر أم الفقير الصابر)؟ ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الأفضل هو من التزم الكتاب والسنة في الحال التي هو عليها، وقام بحق العبودية لله تعالى. فالغني إذا شكر نعمة الله، وأدى حقها، واستعمل ماله في طاعته، كان على خير، والفقير إذا صبر واحتسب، ولم يتسخط على قضاء الله، كان على خير كذلك. والعبرة في الحالين بتحقيق العبودية لله تعالى، ويقاس على ذلك: الصحيح الشاكر أم المريض الصابر، والنسيب الشاكر أم منقطع النسب الصابر، وصاحب المنصب والجاه الشاكر أم عديم المنصب والجاه الصابر، والمعافى الشاكر أم المبتلى الصابر ونحوها؛ فليس التفاضل بمجرد وجود النعمة أو فقدها، ولا بمجرد النسب أو الغنى أو الصحة، وإنما يكون بما يقوم في القلب من الإيمان، وبما يظهر على الجوارح من الشكر والصبر والرضا المشروع بقضاء الله وقدره وما قُسم له.

فكما أنه لا يجوز للفقير سرقة الأموال ليكون غنيًا، فإنه من باب أولى حرمة سرقة النسب من شخص مدّعٍ بالباطل. ولذلك فإن الأنساب في الإسلام ليست مجرد أسماء تتوارثها الأجيال، ولا ألقابًا يتزين بها الناس، بل هي أمانة وحقوق شرعية وحقائق تاريخية، تُحفظ بها صلات القرابة، وتُعرف بها الأصول، وتُصان بها الحقوق. ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية في أحد مقاصدها بحفظ الأنساب، وحرمت الانتساب إلى غير الآباء، وجعلت الكذب والادعاء الباطل في النسب من الذنوب العظيمة، بل من كبائر الذنوب التي جاء الوعيد فيها. فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ). البخاري ومسلم.

قال ابن حجر رحمه الله: "وفي الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف، والادعاء إلى غيره، وقُيد في الحديث بالعلم، ولا بد منه في الحالتين، إثباتًا ونفيًا، لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمد له". انظر فتح الباري.

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية: "حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل مسلم ومسلمة أن ينسب إنسانًا له أو إلى غيره وهو ليس كذلك، أو يدعي نسبه إلى شخص أو قبيلة وهو كاذب، ويدل لذلك ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار. متفق عليه. وفي رواية: إن من أعظم الفرى أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه".

وقال ﷺ: «ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر» رواه البخاري ومسلم، والمقصود عند أهل العلم الكفر الأصغر، لا الخروج من الإسلام بمجرد هذا الفعل. وهذه النصوص تدل على عظم جريمة الانتساب إلى غير الآباء، وأن الأنساب لا يجوز تغييرها بالأهواء، ولا اصطناعها بالمصالح، ولا اكتسابها بالمال والجاه. وتزداد هذه الجريمة قبحًا وخطورة حين يتجاوز الادعاء مجرد الانتساب إلى قبيلة أو أسرة، ليصل إلى ادعاء النسب النبوي الشريف، والانتساب زورًا وبهتانًا إلى آل بيت النبي محمد ﷺ، لما في ذلك من الكذب بهذا الادعاء، والتلبيس على الناس، والاعتداء على أنساب الأسر الشريفة الثابتة. وإذا كان الانتساب إلى غير الأب محرمًا في عموم الأنساب، فإن ادعاء النسب الشريف زورًا يجمع إلى هذا المحظور محظورًا آخر وهو انتحال شرف الانتساب إلى بيت النبوة، وهو من أشد صور التلبيس على الناس، وداخل في الكذب على النبي ﷺ. فإن من أخطر صور التزوير التاريخي أن يعمد بعض الأشخاص إلى صناعة أنساب لا أصل لها، أو تركيب سلاسل نسبية تربط أسرًا وقبائل بأصول شريفة دون أدلة معتبرة، أو استخدام البصمة الوراثية DNA لإثبات الأنساب البعيدة والتي لا يمكن استخدامها في ذلك علميًا وشرعيًا - كما أوضحته في مقال لي سابق -، ثم يسعون إلى ترويج هذه الأنساب بين الناس رغبة منهم لكي تتحول مع مرور الزمن إلى حقائق متداولة عند من لا يعرف مصادرها. ولا تقف آثار هذه الجريمة عند صاحب الادعاء، بل قد تمتد إلى ذريته، فتنتقل إليهم أنساب مصطنعة يعتقدون صحتها، ويصبح تصحيحها بعد أجيال أمرًا بالغ الصعوبة. ومن هنا فإن التزوير المتعمد في الأنساب ليس مجرد خطأ تاريخي، بل اعتداء على الشريعة وتبديل للحقيقة، وتعدٍ على حقوق الأسر، وعلى الأمانة العلمية التي يجب أن يتحلى بها المؤرخون والنسابون. ثم يلاقي الله بهذه الجريمة الشنعاء والكبيرة من كبائر الذنوب التي جاء فيها الوعيد الشديد، ويعرض نفسه لغضب الله، وكل ذلك للحصول على شرف دنيوي مزعوم. قال الإمام مالك بن أنس: "من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم -يعني بالباطل- يُضرب ضربًا وجيعًا ويُشهّر، ويُحبس طويلًا حتى تظهر توبته، لأنه استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم".

إن خطورة المتاجرة بالنسب الشريف ببيع المشجرات وشهادات النسب تكمن في استغلال رغبة ضعفاء النفوس بالنسب الشريف لتحقيق مكاسب اجتماعية أو مادية، أو اكتساب مكانة لا يستحقها المدعي، أو الحصول على امتيازات قائمة على نسب غير صحيح. إن شرف الانتساب إلى النبي ﷺ لا يجوز أن يتحول إلى سلعة تُباع وتُشترى، ولا إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية، ولا إلى باب من أبواب الخداع. كما أن صحة النسب الشريف لا تعني التفاضل المطلق بين الناس؛ فقد قرر الإسلام أن الميزان الحقيقي للتفاضل هو التقوى، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. إن مسؤولية المؤرخين والنسابين وطلبة العلم والمثقفين تكمن في كشف الأنساب المدّعاة. ومن يجد من بعض أبناء عمومته من الأسرة نفسها من يدعي ذلك بالباطل فلا يجوز السكوت عليه، فيجب الإنكار عليه وكشف كذبه حسبةً لله، وعدم الاعتماد على مقولة: (لم آمر بها ولم تسؤني)، وهذه مسؤولية شرعية وعلمية وأخلاقية عظيمة في حماية الأنساب من التحريف والتزوير، وبالذات نسب النبي ﷺ، وهذا صيانة للنسب الشريف وتثبيت للحقيقة الشرعية والتاريخية، وتوقير لنسب الرسول ﷺ، وحفظ لحقوق الأسر التي ثبت انتسابها إلى هذا البيت الكريم. ومن هنا تبرز أهمية العناية بالمصادر التاريخية القديمة، وتحقيق وثائق الأنساب، ودراسة المشجرات دراسة نقدية، وكشف ما يثبت من التزوير والتدليس، مع الالتزام بالعدل والإنصاف.

وفي الختام، فإن جريمة ادعاء النسب الشريف ليست مسألة شكلية، ولا خلافًا عابرًا بين الأسر والقبائل، وإنما هي كذب على نسب رسول الله ﷺ الذي قال: (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) البخاري، وكبيرة من كبائر الذنوب، وتزوير للحقيقة والتاريخ.

فالأنساب حقائق لا تصنعها الرغبات، والنسب الشريف شرف يُصان، لا لقب يُنتحل، ومن ادعى ما ليس له فلن يجعل الادعاء الباطل حقًا مهما طال الزمن وكثر المروجون له؛ بل سيعرض نفسه وعرضه وعرض أسرته للوم والشتم والفضيحة بهذا الكذب والإثم، ويعرض نفسه لغضب الله في الدنيا والآخرة.