استعرض معي قناعاتك حين كنت في العشرين، هل أفكارك وأنت شاب هي أفكارك نفسها الآن؟ لا بد أنها تطورت، وكذلك ستتطور قناعتك اليوم، فهي أفضل خيار متاح لك الآن، لكنها ليست بالضرورة هي الأفضل، فأنت بحاجة إلى التغيير أحيانا.

عندما أغير أفكاري، فإنني مؤمن بأني لم أهزم، بل صححت أفكاري، واتجهت إلى الطريق الصحيح، الهزيمة الحقيقية أن أكون في الطريق الخطأ وأصر على أنه الطريق الصحيح، ثم أنتهي إلى نقطة اللاشيء، أو أسير عكس اتجاه التقدم الذي يسير فيه الناس. وقد يروق لك ما ينسب إلى الاقتصادي جون كينز حين اتُهم بتبديل موقفه، إذ قال: حين تتغير الحقائق أغير رأيي.

الذين وقفوا في وجه الآلة الحاسبة في الاختبارات، هم أنفسهم الذين يقفون أمام الذكاء الاصطناعي الآن، فقط الأسماء هي التي تغيرت، والوجوه هي التي تبدلت وبقي الفكر نفسه، والعقلية نفسها، ومنذ أدركتُ أن الرفض يتكرر مع كل جديد، أيقنتُ أن أفكارنا مسودة لا حكم نهائي.

ليست العقول الثابتة هي الأفضل دائما، ولا العقول المتغيرة كذلك، القيمة ليست في الثبات أو التحول في ذاتهما، بل في نتيجتهما، الحكمة الحقيقية فيما يؤول إليه الثبات أو التغير، والصواب هو الهدف، لذلك لا تقل عن أحد أصدقائك «صاحبي لم يتغير منذ سنوات» كميزة شخصية له، أو تقول «كل يوم له رأي جديد» باعتبار أن التغيير في الآراء عيب.

السؤال: هل يقود هذا الثبات أو ذاك التحول إلى حال أفضل؟ وقد يلخص الفكرة ما نسب إلى ألفين توفلر «إن أميّ القرن الحادي والعشرين ليس من لا يقرأ ولا يكتب، بل من لا يستطيع أن يتعلم ويتخلى عما تعلمه، ويتعلم من جديد».

تصل فئة قليلة من الناس إلى عبادة قناعاتها القديمة، نتيجة الخوف من المراجعة، ودافع الخوف الداخلي من كل جديد، والتعلق بالقديم المألوف، والقلق من المستقبل، وسوداوية النظرة تسيطر على تفكيرها، لذلك تحاول جاهدة أن ترى في قناعاتها القديمة الحل، وأن أي فكرة جديدة تهديد لها ولعائلتها والعالم، لا تلبث هذه الفئة أن ترى العالم من حولها يصحح نفسه، يقبل الجديد، ويتحول للأفضل، ثم تجد أفرادها أكثر المتحمسين للتصحيح، غير أن ما يظنونه جديدا بات قديما وعلى الأبواب جديد آخر.

إن حماس بعض الناس لأفكارهم أشبه بـ«صك رهن لأفكارهم»، فلا يستطيعون أن يتخلصوا منها لأنهم تحمسوا لها أكثر مما تستحقه، وحولوها من مجرد فكرة إلى عقيدة، وليست كل الأفكار تستحق أن تتحول إلى ثوابت. كما يغيب عن أذهانهم أن الشك ليس عيبا، بل نافذة للمراجعة المستمرة، وآلية ربانية وهبها الله للإنسان؛ ليواصل الإنسان تصحيح نفسه. ولو لم يشك أحد، لما تقدمت المعرفة ولا راجعت العلوم نفسها، إن الإيمان بنسبية صحة أفكارك فكرة رائعة، وليس لامبالاة، بل قناعة بأن الأمس ليس كهذا اليوم، والمؤكد أن يومنا لن يكون مثل غدنا.

جرب أن تتبنى الرأي المخالف لك بحماس حقيقي وبحث جاد، فستجد أن له أسبابا وجيهة، حتى ولو لم تكن راجحة في نظرك، ثم ضع نفسك في موقع الآخر الذي لم يتبين له ما تبين لك.

ولا يعني هذا أن التحول فضيلة دائمة، فسيولة الرأي تعتبر عيبا في الشخصية قبل أن تكون عيبا في الفكر والرأي، ولذلك فإن الوعي بالفكرة يضعها في منزلة وسط بين اليقين الأعمى والسيولة التي لا تثق بشيء.

وأخيرا، ينسب إلى «برتراند راسل» عبارته «لن أموت من أجل معتقداتي لأني قد أكون مخطئا» وكأنه يتخيل أن يموت دفاعا عن فكرة خاطئة، لذلك املأ نفسك بقناعاتك لكن توقع الخطأ، ورحب بالتراجع، وثق أن المراجعات هي أفضل طريقة إلى التغيير وقبول المراجعة، ولا تلم نفسك على تحولك، بل رحب به إن كان صوابا.