وانتهى ماراثون قراءة أحد عشر كتابا حول المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال شهر ونصف، وتبقى الإعلان عن الفائزات بأفضل دراسة والتسمية الشرفية التي تليها في الشهر القادم.
وصلتني الكتب عن طريق دور النشر تباعا بالبريد وعلى البريد الالكتروني، وأحدها وصل رقميا فقط من إحدى جامعات إيران نظرا لصعوبة المواصلات إبان الحرب عليها. وهذا العام الثالث الذي أشارك في لجنة "رابطة دراسات المرأة في الشرق الأوسط"، والتي تنطلق من جامعة ديوك في شمال كارولاينا بالولايات المتحدة الأمريكية. قمت بتقسيم الكتب حسب المواضيع والدول قدر الإمكان حتى يمكنني القراءة المتسلسلة التي يمكنها أن تعطيني فهما أعمق لكل دولة أو قضية. فكان الناتج كالتالي، ثلاثة كتب عن المرأة الإيرانية، اثنان عن اليهودية، أربعة كتب عن دول بعينها: مصر، المغرب، سوريا، العراق، وواحد عام عن ملكات الإسلام، وآخر عن النساء في النظام البرلماني في الدول العربية.
سأبدأ الحديث في هذه السردية بالكتب التي حددت دولا بعينها، ووفق التسلسل التاريخي كان الكتاب الخاص بالمغرب هو الأقدم، إذ يؤرخ لفترة تعود للقرن الرابع عشر الميلادي في مدينتي تازه وفاس في العصر المريني، إحدى الدول الأمازيغية لزناتة الإسلامية في المغرب، والتي حكمت ما بين 1244-1465م. ويتناول نظام الأحوال الشخصية بالمفهوم الحالي في ذلك العصر، للكاتبة الأمريكية روزماري أدميرال، Rosemary Admiral، أستاذة الدراسات الأفريقية في جامعة دالاس بتكساس، والتي أوقفت وحبست العام الماضي لدفاعها عن طلبتها المؤيدين لفلسطين في اعتصامهم، وإلقائها بنفسها أمام العسكر الأمريكي الذي كان يهاجم خيام المعتصمين في جامعة دالاس، وقامت برفع قضية على الجامعة لانتهاكهم حقوقها المدنية وتعريضها لصدمة نفسية.
وعودة إلى كتابها المعنون "القانون المَعيش: المرأة والقانون في المغرب المرينية"., Living Law: Women and Legality in Marinid Morocco.، عن دار جامعة سيراكوز للنشر، الذي قدمت فيه رحلة مثيرة للأسرة المسلمة في القرن الرابع عشر، معطية الصوت إلى النساء من طبقات غير معتادة من عامة الشعب، اعتمدت فيه على مصدر فريد، وهي كتب الفتيا أو الفتاوى، والتي كان لها ميزة نوعية في شمال أفريقيا، حيث إنها هناك تجمع في كتب مخصوصة وتتناول القضايا الشرعية التي وضعت عليها الفتيا مؤيدة بالأدلة والوثائق باسم السائل والزمان والمكان والمناسبة والأحداث والحجة القانونية الشرعية في ظاهرة غير معروفة في فتاوى المشرق أو في مكان آخر، مقدمة لنا مصدرا أوليا ثريا للحياة الثقافية والاجتماعية والقانونية في المجتمع الإسلامي في شمال أفريقيا، وتاريخا مختلفا عن التاريخ العثماني في الشرق، من حيث العلاقات الاجتماعية وتاريخ المرأة.
وقد استلت الكاتبة واحدة من هذه الفتاوى التي حملت أكثر من ثلاثين ملفا ووثيقة ما بين قضايا ترفع وتقضى وتنفذ وتنقض وتحاجج وتعود من جديد، وعالجتها بشكل ذكي استخرجت خلالها من قصة واحدة كما كبيرا من المعلومات الدقيقة التي تتعلق بحياة النساء وظروفهن الاجتماعية وكيفية فهم الشريعة وتطبيقها ومخارجها في نسختها المالكية، ووصلت من خلالها إلى الدخول إلى ثنايا المجتمع المغربي في العصر المريني وعلاقاته بالقصر والقضاء والعلماء والعامة. والقصة في حد ذاتها مثيرة، حيث إنها تدور حول فتاة من تازه هاربة من بيت والدها لتتزوج من جارها الذي رفض والدها تزويجها منه، ممضية وقتا لدى قاضي المدينة مختبئة حتى عقد الزواج في تفاصيل بالغة الحساسية ولكن تفاجئنا الوثائق بعرضها بالتفصيل. ثم انبثقت منها ثروة من التبعات والعلاقات القانونية والاجتماعية، انطلاقا من هذه القصة التي وردت في فتوى. وحملت القصة الكثير من التداعيات الصادمة التي تشير إلى إدراك النساء ولو في سن صغيرة بتفاصيل الفقه المالكي وما يمكن أن يقدمه لهن من أدوات تساندهن في تحقيق خياراتهن، من خلال تعلم القرآن والحديث والأدب وسائر العلوم الشرعية بشكل أقل، والفقه المالكي بشكل أكبر في البيوت والزوايا.
تكمن براعة المؤلفة في تحليلها الدقيق لفتوى واحدة أو قضية واحدة ذات أهمية بالغة، سعيا منها لفهم أدوار الجنسين في المغرب في تلك الفترة ما بين تازة وفاس، متعمقة في تفاصيل هذه الوثيقة لرسم صورة شاملة للمجتمع، بما في ذلك كيفية اكتساب النساء لمعرفتهن بقانون الأسرة، وقضايا العذرية والطاعة، ودور الواعظات، ومعرفة الشريعة الإسلامية، والزواج والطلاق، وعقد الزواج، وأيمان الطلاق، فضلا عن كيفية تعليم النساء، وكيف مثل السلطان القانون واستقلاليته.
وتتداخل القصة ولعدد من السنين مع ولاية الأب وسقوطها، ومع القصر وكيف يتدخل أو لا يتدخل في القضايا الشرعية، ومع المجتمع وتقبله للقضية أو رفضها، وما تتعلمه النساء في مجتمع القرن الرابع عشر الميلادي ومجتمعات ما قبل الحداثة الإسلامية، مما يغذي قدرتهن على التفاوض في كثير من القضايا الشرعية والأسرية. كما تتداخل في القصة تحديات سلطات قضاة تازه مع قضاة فاس حيث القصر المريني، وسلطة الحاكم وما تحاجج به النساء للوصول لحقهن شرعا. وقد أتقنت الدكتورة روزماري فن النحت في النص حتى تصل به إلى منتهاه وتخرج لنا بحصيلة غير مسبوقة من المعلومات الدقيقة حول المجتمع النسائي المغربي في فترة تدور فيها الكثير من الصراعات السياسية والعسكرية.
قدمت المؤلفة الكتاب بأسلوب حيوي، موضحة كيف كان القانون يمارس يوميا من قِبل العائلة المالكة وعامة الناس، مستكشفة قضايا قانون الأسرة بمفهومه المعاصر. لقد حولت هذه الفتوى الواحدة إلى مدخل شامل لكل جوانب قانون الأسرة. كانت كمية المعلومات والرؤى الثاقبة حول القانون والمجتمع هائلة ومذهلة.
ولعل ما أخذته على الكتاب الذي تناول بالتفصيل كيف حصلت النساء آنذاك على التعليم، كان غياب أي إشارة إلى جامع القرويين الذي أسسته السيدة فاطمة الفهرية التونسية في فاس، والذي يمثل أقدم جامعة مستمرة حتى اليوم في العالم، ويعود تأسيسها إلى 895م. لكن يبقى أن هذا الكتاب يفتح نافذة على العالم القانوني للمجتمعات الإسلامية في العصور ما قبل الحداثة، مبينا كيف انخرطت النساء في استخدام أدواته لنيل حقوقهن، من خلال التفاوض والمساومة ضمن إطار القانون والمجتمع والدين. وباستخدام الشريعة، تمكّنّ من الانخراط في المجتمع، وتأكيد حقوقهن، وتقبل التزاماتهن وواجباتهن. لم تكن الشريعة الإسلامية عدوا، بل كان أداة وفرصة للتفاوض على الحقوق، لا سيما داخل الأسرة وللنساء المتزوجات وغير المتزوجات. وقد استطاعت روزماري أدميرال بمنهجيتها وأدوات نحتها أن تقلب الصور النمطية الاستعمارية للمرأة المسلمة رأسا على عقب.
كيف فاوضت النساء زواجهن في القرن الرابع عشر
هتون أجواد الفاسي5 دقائق للقراءةحجم الخط
