ليست المملكة العربية السعودية مجرد دولة ذات حدود جغرافية ومصالح سياسية، بل هي أرض الرسالة، ومهبط الوحي، وقبلة المسلمين، ومنها انطلقت أعظم رسالة عرفتها البشرية، رسالة جعلت العدل والرحمة وصيانة النفس الإنسانية من أسمى القيم. ومن هذه المكانة الدينية والتاريخية تنبع مسؤولية عظيمة تجاه أمن المنطقة واستقرارها، وفي مقدمتها اليمن الشقيق الذي تربطه بالمملكة وشائج الدين والجوار والتاريخ والمصير المشترك.
وما يشهده اليمن اليوم من تجدد للصراع يعيد إلى الواجهة سؤالاً مهماً: من يدفع ثمن الحروب، ومن يعمل لإنقاذ الإنسان من نتائجها؟
لقد دخل اليمن مرحلة جديدة من التصعيد العسكري خلال الأشهر الأخيرة، وامتدت المواجهات إلى مناطق استراتيجية، منها الساحل الغربي ومحيط باب المندب، فيما تعرضت المملكة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت مدنية وحيوية. وهي تطورات تؤكد أن الأزمة اليمنية لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبحت تحدياً لأمن المنطقة وسلامة الملاحة الدولية.
السعودية.. مكانة إسلامية ومسؤولية إنسانية
حين نتحدث عن المملكة، فإننا نتحدث عن وطن يحتضن الحرمين الشريفين، ويتشرف بخدمة ملايين المسلمين، ويحمل إرثاً دينياً وحضارياً يجعل مسؤوليته أكبر من مجرد الدفاع عن حدوده.
وقد تجلت هذه المسؤولية في العمل الإنساني والإغاثي الذي تقدمه المملكة لليمن، من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وبرامج الدعم التنموي والخدمات الأساسية.
وبحسب البيانات الرسمية لمركز الملك سلمان للإغاثة، بلغت قيمة مشروعاته في اليمن حتى نهاية أغسطس 2026 أكثر من 4.79 مليارات دولار، من خلال 1,228 مشروعاً شملت الأمن الغذائي والصحة والمياه والإيواء والحماية وغيرها من القطاعات الإنسانية.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية؛ فخلف كل مشروع مريض ينتظر العلاج، وطفل يحتاج إلى الغذاء، وأسرة تبحث عن مأوى، ومجتمع يحاول استعادة مقومات الحياة.
وفي الوقت الذي تشتد فيه المواجهات العسكرية، يبقى دعم الإنسان اليمني أحد أهم أوجه الحضور السعودي؛ لأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تعليم وصحة وتنمية ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع.
الحوثيون.. حين يتحول الخطاب الديني إلى أداة للصراع
من أخطر ما تواجه المجتمعات أن يتحول الدين من رسالة تجمع الناس على العدل والرحمة إلى وسيلة لتبرير السلطة وإقصاء المخالفين.
وهنا تبرز إشكالية الخطاب الذي تتبناه جماعة الحوثي، وما يرتبط به من توظيف للنسب الديني والرموز العقائدية ومفاهيم الاصطفاء والولاية في المجال السياسي.
فلا النسب يمنح أحداً حقاً مطلقاً في الحكم، ولا الشعارات الدينية تمنح حصانة من المحاسبة، ولا يمكن لأي جماعة أن تحتكر تمثيل الإسلام أو تختزل إرادة شعب كامل في مشروعها السياسي.
إن المعيار الحقيقي لصدق الخطاب الديني ليس ارتفاع الشعارات، وإنما احترام كرامة الإنسان، وصيانة دمه، والوفاء بالعهود، والعدل مع المخالفين.
ومن هنا، فإن نقد الادعاءات العقائدية والسياسية للحوثيين لا يعني الإساءة إلى مذهب أو طائفة، بل يعني رفض توظيف الدين لإضفاء القداسة على قرارات بشرية قابلة للنقد والمساءلة.
بين روايات الانتصار وحقائق الميدان
اعتادت الحروب أن تكون ساحة للصراع العسكري والإعلامي معاً، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم روايته الخاصة عن سير المعارك.
وفي الحالة الحوثية، تتكرر بيانات إعلان الإنجازات العسكرية، غير أن التطورات الميدانية تكشف صورة أكثر تعقيداً من الروايات التي تقدمها الجماعة لجمهورها.
فقد شهدت جبهات الساحل الغربي خلال سبتمبر وأكتوبر 2026 تقدماً للحوثيين في بعض المناطق، أعقبته هجمات مضادة من القوات الحكومية اليمنية التي أعلنت استعادة مواقع قرب باب المندب بدعم من التحالف. وهذا التبدل في السيطرة الميدانية يوضح أن الادعاء بانتصارات نهائية أو حاسمة لا يكفي لإثباتها.
والهزيمة ليست عسكرية فقط؛ فقد يخسر أي مشروع سياسي جزءاً من مصداقيته عندما تصبح الفجوة واسعة بين ما يعلنه للناس وما يواجهونه في حياتهم اليومية.
إن من يزعم الدفاع عن الشعب اليمني مطالب بأن يجيب عن معاناة المدنيين، وعن استمرار النزوح، وعن القيود التي تواجه العمل الإنساني، وعن مستقبل الأطفال الذين حُرموا من التعليم والاستقرار.
اليمنيون ليسوا الحوثيين
من الضروري التمييز بين الشعب اليمني العريق وبين الجماعة التي تسيطر على أجزاء من بلاده. فاليمن بلد الحضارة والتاريخ والعلم، وشعبه لا يجوز اختزاله في تنظيم مسلح أو صراع سياسي.
والواقع أن المواطن اليمني هو أكثر من دفع ثمن سنوات الحرب؛ فقد تضررت الخدمات الصحية والتعليمية، وتعمقت الأزمة الاقتصادية، وتعرضت أسر كثيرة للنزوح وفقدان مصادر الرزق.
ولذلك فإن أي معالجة جادة للأزمة يجب أن تنطلق من حق اليمنيين في دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وحياة كريمة، بعيداً عن توظيف الانتماءات الدينية والمذهبية في الصراع على السلطة.
المملكة بين حماية الأمن وصناعة السلام
إن حماية أمن المملكة وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها حق سيادي لا يقبل المساومة، كما أن استهداف المطارات والمنشآت المدنية بالصواريخ والمسيّرات يمثل تهديداً خطيراً للأرواح والاستقرار.
وفي المقابل، فإن الوصول إلى سلام مستدام في اليمن يظل ضرورة إنسانية وأمنية، لا سيما أن استمرار الحرب يضاعف الخسائر ويهدد مستقبل أجيال كاملة.
ولا يمكن أن يُبنى السلام على الشعارات وحدها، بل يحتاج إلى التزامات واضحة، وضمانات أمنية، وحوار سياسي شامل، واحترام سيادة الدولة ومؤسساتها، وحماية المدنيين من جميع الأطراف.
ختاماً.. تبقى الأفعال أصدق من الشعارات
ستظل المملكة العربية السعودية، بمكانتها الإسلامية واحتضانها الحرمين الشريفين، أمام مسؤولية تاريخية في خدمة الإسلام والمسلمين، وهي مسؤولية تتجلى في خدمة ضيوف الرحمن، والعمل الإنساني، والسعي إلى استقرار المنطقة.
أما اليمن، فلن يكون مستقبله في استمرار المعارك أو تقديس الزعامات أو احتكار الحقيقة الدينية، وإنما في استعادة الدولة وبناء المؤسسات وصيانة كرامة الإنسان.
والتاريخ لا يقيس عظمة الدول والجماعات بعدد الشعارات التي ترفعها، بل بما تتركه من أمن وعدل وحياة كريمة.
فبين من يبني مدرسة، ومن يغيث مريضاً، ومن يزرع الأمل في مجتمع أنهكته الحرب، وبين من يجعل السلاح لغة دائمة للصراع، يبقى الإنسان هو المعيار الذي تكشف به الأيام حقيقة الأفعال والادعاءات.
السعودية واليمن.. حين تتحدث الأفعال وتسقط الشعارات
سعود الشهري5 دقائق للقراءةحجم الخط
