كيف صححت السعودية «الصورة النمطية» عن العرب؟
محمد المغيري4 دقائق للقراءةحجم الخط
حين تسمع اسم «اليابان» يتبادر إلى ذهنك الالتزام الصارم بالمواعيد، وحين تذكر «البرازيل» تحضر إلى مخيلتك كرة القدم ونجومها، وتفوح من «فرنسا» روائح العطور والأزياء؛ عند سماع باريس مثلا، وتطل من «اليونان» الفلسفة بآثارها العتيقة، وتلمع في «أمريكا» شاشات هوليوود وأفلام الأكشن؛ هذه الصور لم تأت صدفة، بل تمت صناعتها بإتقان حتى باتت تسبق الدولة في ذهن الشعوب الأخرى، فيقرر بناء عليها: هل يزورها؟ أو هل يستثمر فيها؟ وهل يثق بروايتها؟ ولهذا السبب اعتنت البرازيل بنجومها، وسويسرا بساعاتها، وأمريكا بسينماها، وفرنسا ببيوت أزيائها، وهنا نعلم لماذا الدول ذات القوى الاقتصادية والحضور الدولي الكبير تهتم بشكل دقيق بهذه العلامة، حتى عند المغادرة ستجد في مطاراتها ما تضمن به الجانب التذكيري التسويقي، حين تشاهد محلات الهدايا تحتوي على أيقونات وطنية، ودمى وميداليات، تحمل هوية هذا البلد وثقافته.
وفي السعودية، بدأ الأمر بقرار شجاع وخطوة استباقية؛ فرؤية 2030 لم تُبنَ لتحقيق أهداف مؤقتة، بل لتأسيس هوية متكاملة ومستدامة بجميع القطاعات، لتقوم على ثلاثة محاور: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وقد وضعت الرؤية تعزيز الهوية الوطنية والثقافة والتراث ضمن أولوياتها عبر مشاريع وطنية ضخمة، وتمكين للمثقفين والموهوبين، مع رفع إنفاق الأسر على الثقافة والترفيه داخل المملكة من 2.9% إلى 6%. ثم توالت الأدوات؛ ففتحت أبواب السياحة، واقتحمت الرياضة السعودية الميدان العالمي، والتفتت الدولة إلى رعاية المبدعين المتخصصين، والموهوبين، وتطوير المواقع التاريخية، والحفاظ عليها.
قبل عشر سنوات ختمت مقدمة عمل وثائقي عن الهوية الوطنية بعبارة: «بهويتنا سنحقق رؤيتنا»، وكان حينها أمنية مبنية على توقع حقيقي، وجاءت النتائج أكبر من الأمنيات، لذا ماذا تقول الأرقام اليوم؟
توافد الزوار كان الخطوة الأولى؛ إذ بلغ عدد السياح المحليين والوافدين نحو 123 مليونا في عام 2025 وفقا للتقرير الإحصائي لوزارة السياحة، مقارنة بـ63 مليونا عام 2016، بحسب التقرير السنوي للرؤية، أي ما يقارب الضعف، منهم 29.3 مليون سائح وافد، بإنفاق سياحي وصل إلى 304 مليارات ريال. ولم تقتصر الوجهات على المدن الكبرى؛ فقد سجلت عسير قرابة 8 ملايين زائر عام 2024 وفقا لهيئة تطويرها، وتجاوزت زياراتها 7.5 ملايين حتى الربع الثالث من 2025 بحسب وزارة السياحة. كما ارتفع عدد زوار المبيت في العلا من 258 ألفا عام 2021 إلى 687 ألفا عام 2025، منهم أكثر من 311 ألفا من خارج المملكة. أما التراث فله جمهوره؛ إذ تجاوز عدد زوار المواقع التراثية الوطنية والعالمية 14.1 مليون زائر عام 2025 عبر 232 موقعا، استحوذت جدة التاريخية منها على 12 مليون زيارة. وتضم المملكة ثمانية مواقع مدرجة في قائمة اليونسكو، مع تسجيل 2260 موقعا أثريا جديدا، وإضافة 94 منشأة ثقافية، وفقا للتقرير السنوي لوزارة الثقافة.
غير أن الزيارة تختلف عن المعرفة؛ فبينما صعدت المملكة إلى المرتبة 17 في مؤشر القوة الناعمة لـ«براند فاينانس» عام 2026 بعد أن كانت في المرتبة 26 عام 2020 - في عام شهد تراجعا عاما في صور الدول عالميا وبشكل أشد في الغرب - أظهر تقرير «سمعة» لعام 2025، الذي نقلته «عرب نيوز»، أن 33% فقط من المستطلعة آراؤهم يزعمون معرفتهم الجيدة بالسعودية، مقابل 19% لا يعرفون عنها شيئا، وترتفع هذه النسبة إلى 27% في أمريكا و24% في بريطانيا. وبحسب «يوغوف»، يميل الشرق إلى نظرة أكثر إيجابية تجاه المملكة مقارنة بالغرب، لكن تظل الثقافة المحرك الأول للجذب السياحي المستقبلي بنسبة 19% عالميا، وتصل إلى 27% في إيطاليا، مما يؤكد أن الثقافة هي البوابة الأوسع للوصول إلى المجتمعات الغربية.
وفي الميادين الأخرى، أعلنت رابطة الدوري أن عدد المشاهدات المباشرة لموسم 2025-2026 بلغ 198 مليون مشاهدة، بزيادة قدرها 52%. ونظرا لعدم توضيح الرابطة ما إذا كان هذا الرقم يعبر عن مشاهدين فريدين أم تراكميين، فإن قراءة هذه البيانات تتطلب نوعا من الحذر. أما في الجانب الثقافي، فقد تجاوز عدد زوار معرض الرياض للكتاب المليون زائر في عام 2024، ليرتفع هذا الرقم بنسبة 37% في عام 2025، وفقا لهيئة الأدب والنشر والترجمة، في حين استقبل معرض جدة للكتاب أكثر من 650 ألف زائر، وتجاوز عدد زوار جناح المملكة في إكسبو أوساكا 3 ملايين زائر.
إن الصورة الحقيقية للبلاد ليست مجرد خيمة وصحراء كما اختزلتها الرسوم القديمة، بل هي وطن تتعدد ألوانه بتعدد تضاريسه: تهامة حيث يعانق البحر الجبل، وعسير المتدثرة بالغيم، ورمال نجد التي علمت أهلها الصبر والكرم، ومقام الحجاز الذي يحول الصوت إلى حنين، ومجتمع يفتح أبوابه لكل قادم. نحن لم نخترع هذا الجمال، بل كان قائما بانتظار من يرويه كما هو.
وحين فتحت المملكة أبوابها للسائح لخوض تجربة حية في مناطق المملكة وحضارتها، والانخراط مع الشعب السعودي، وحمل المبتعث هويته إلى جامعات العالم، وعاد الزائر والعامل في مشاريعها بما رآه لا بما سمعه، تعلم الآخر أن يرى العربي بعينه لا من شاشة، أو ما يُنقل له، وهكذا أسهمت السعودية بوصفها واجهة للعرب والمسلمين، إسهاما مباشرا في تغيير الصورة النمطية عن العرب، فصححت بالتجربة ما لا تصححه الخطابات الإعلامية، ولا القوى الناعمة.
