الحوثي والقاعدة وداعش وموائد الموت الموعودة
خالد العويجان4 دقائق للقراءةحجم الخط
دخلت التاريخ من أقذر أبوابه. استعدت اليمنيين والجيران، والمحيط والإقليم، والإسلام والمسلمين. لم يبق لها أكثر من ثلة تشبهها، تؤيدها وتشترك معها بشهوة بالدم والفرقة، وفتح مزيد من المقابر.
جماعة الحوثي الإرهابية حجزت موعدها الأخير مع النهاية. فقدت كل أشكال الدعم والتأييد بعد أن طالت بجرأتها مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ إضافة إلى مواقع حيوية في السعودية.
كانت تتذرع لسنوات طويلة مضت بمواجهة أعداء الأمة كما تصفهم، أي أمريكا وإسرائيل. صنعت لها شعارا قام على ذلك، أقصد (الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل)، وادعت مناصرة قطاع غزة والقضية الفلسطينية، وتبين مؤخرا أن ذلك ضرب من الضحك على ذقون الرأي العام العربي والإسلامي.
وزيف الادعاءات الحوثية انكشف نظير أمرين، ما هما؟ الأول: تحويل بندقيتها «الإيرانية» نحو السعودية وأقدس بقاع الأرض التي تحتضنها. الثاني: انبطاحها تحت الأقدام الأمريكية والإسرائيلية، حين قدمت الجماعة وعودا بعدم استهداف أي من السفن التابعة لتلك الدولتين اللتين تمثلان افتراضيا عدوتين لها، مقابل اعتراض أي سفينة سعودية يمكن أن تمر عبر باب المندب. أو كما قال مسؤول حوثي من باب الهرطقة والاستهلاك الإعلامي ورفع معنويات المقاتلين الحوثيين الذين يعيشون أسوأ أوضاعهم جراء تضييق خناق عملية فجر اليمن عليهم «لن يدخل أي مسمار سعودي، حتى يتم رفع الحصار عن باب المندب».
لكن الحوثي انشغل بالعنتريات، على حساب تجاهل أن الاعتداء على السعودية يعد مقارعة للعالم بأسرة، وأن تهديد مصادر الطاقة الحيوية سيعود عليهم بالوبال.
ما الدليل؟ إبداء بريطانيا مساندة المملكة عسكريا. إذ أكد سلاح الجو الملكي البريطاني إرسال مقاتلات «يوروفايتر تايفون» للقيام بمهام دفاع جوية في السعودية. إضافة إلى فرنسا التي كشفت عن وقوفها إلى جانب الرياض للدفاع عن أمنها، وعزمها إرسال أفراد وأنظمة دفاعية وعسكرية لتأمين المنشآت الحيوية.
وتلك المواقف يستحيل أن تكون بمعزل عن الموقف المصري، الذي أبداه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ووضع قدرات بلاده العسكرية للدفاع عن أمن المملكة.
والحقيقة أن ذلك لا يعني ضعفا سعوديا في صون أمنها القومي، بل من منطلق اتفاقيات أبرمتها المملكة مع تلك الدول، تقتضي اتخاذ إجراء عملي في مثل هذه الظروف.
من هذا المبدأ يجب الإشارة إلى اتفاقية الدفاع بين المملكة وبريطانيا المبرمة في عام 2022. وكذلك مع الجانب الفرنسي تحت إطار «إعلان نوايا» الذي وقع في أغسطس من العام الجاري.
ماذا عن مصر؟ هناك اتفاقية دفاع مشتركة موقعة بمثل هذا الشهر من عام 1955. وفرضت آنذاك وقوف المملكة مع مصر خلال العدوان الثلاثي؛ بعد توقيع الاتفاقية بعام واحد. وفي عام 1967 وجه الملك فيصل مناشدة للزعماء العرب للوقوف إلى جانب مصر، عقب العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن. بالمجمل وشائج علاقات الرياض بالقاهرة ضاربة بأعماق التاريخ؛ فهما الجناحان اللذان تحلق بهما الأمة، وعمقها الاستراتيجي.
على كل حال؛ أتصور إن الاصطفاف الدولي إلى جانب المملكة نابع من استشعار خطر هذه الجماعة، التي تشكل تهديدا للعالم، بدليل مطالبة البرلمان الأوروبي بوضع الحوثي على قوائم الإرهاب الدولي، ناهيك عن أن المجتمع الدولي في إطار صحوة الضمير - سمها ما شئت -، أيقن أن بيانات الشجب والاستنكار لم تعد كافية لمواجهة إرهاب المارقين.
من الناحية العملية، اتضح أن قرار المملكة بوضع «أنصار الله» على قوائم الإرهاب عام 2014 وجيه للغاية. فقد اقتدت واشنطن بالخطوة السعودية، وأعادت تصنيف الجماعة إرهابية عام 2025، بعد أن أزالهم الرئيس الأمريكي جو بايدن في 2021، وذا يعاني من حالة خاصة ويعيش في عالم منفرد.
مقابل كل ما سبق؛ أعتقد أن دوائر صناعة القرار الدولية، ومراكز الدراسات الاستراتيجية، أمام ضرورة أخذ بيان هيئة كبار العلماء السعودية الصادر ليل الخميس على محمل الجد، وتمحيصه بدرجة عالية من الأهمية.
لماذا؟ لأنه أجمل بعضا من النقاط المرتبطة بالحوثي، التي تؤكد أن تماديه سيشكل حالة من الإرباك الأمني والسياسي الذي سينعكس على العالم أجمع، وليس على الدول المحاذية لليمن فقط.
فالبيان الصادر عن مجموعة من رجال الدين، ممن ليس لهم علاقة بالسياسة؛ راعى من حيث يعلم الموقعون عليه أو لا يعلمون، اتفاقية جنيف الموقعة عام 1977، التي تحرم الاعتداء على المواقع المقدسة. فما بالك بقبلة المسلمين في مكة المكرمة، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة، اللذين تجرأت عليهما جماعة الحوثي بخطوة غير مسبوقة، إلا من بعض طغاة التاريخ، إضافة إلى مواقع حيوية في المملكة كالمطارات.
إن المارقين في اليمن شكلوا تطرفا خاصا، تجاوز أيديولوجيات الجماعات الإرهابية التي عاشت بالمنطقة، واقتاتت على جثث الأبرياء.
الخلاصة؛ إن وضع الحوثي على قوائم الإرهاب الدولي غير كاف. وبيانات الشجب والاستنكار ليست نهاية المطاف. المطلوب أكثر. لا مناص من كسر شوكته، و إزاحته عن المشهد. لا مجال ولا وقت للدبلوماسية. لم يعد هناك إلا لغة النار.
حتى لا يجتمع إرهابه مع تطرف ما تبقى من القاعدة وداعش، بلقاء مؤكد.. على موائد الموت الموعودة.
