لا شك أن من أعظم ما تدخره الأمم من ثروات، هو ذاكرتها الحية التي تحفظ تاريخها، وتصون هويتها، وتربط حاضرها بماضيها؛ فالشعوب لا تحيا بالمنجزات المادية فحسب، وإنما تستمد بقاءها من القيم والمبادئ والتجارب التي تستلهم منها مقومات حاضرها وآفاق مستقبلها؛ وإذا كانت الذاكرة التاريخية بهذه الأهمية، فإن السيرة النبوية الشريفة تحتل في وجدان الأمة الإسلامية مكانة لا تضاهيها مكانة؛ كونها سيرة سيد الخلائق، وأكرمهم على الله تعالى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

السيرة النبوية ليست سِفرا يقرأ، ولا أحداثا تستعاد، ولا تواريخ تحفظ فحسب؛ بل هي مدرسة متكاملة في بناء الإنسان، وإقامة العدل، وحسن التعايش، وإدارة الاختلاف؛ ففيها من المعاني الإنسانية والتربوية ما تحتاج إليه الأجيال في كل زمان ومكان؛ ومن هنا فإن العناية بها لا يصح أن تقف عند حدود السرد التاريخي، بل لا بد أن تتجاوز ذلك إلى فهم المقاصد، واستلهام القيم، والعمل على ترجمتها إلى سلوك ينعكس على حياة الناس وعلاقاتهم.

علماء المسلمين، على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وممارساتهم وأفكارهم، أدركوا أهمية حفظ السيرة النبوية، فتناقلوا أخبارها، ودرسوا أحداثها، وصنفوا في جوانبها المختلفة؛ وكان لعلماء «عمان» إسهامهم في هذا الميدان، ضمن تراث علمي وحضاري جدير بالبحث والتعريف به؛ وللعمانيين الأشقاء ثناء نبوي كريم يستحق التأمل، إذ روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي برزة الأسلمي، قوله صلى الله عليه وسلم لأبي الجهم بن حذيفة العدوي، وقيل غيره، لما بعثه إلى بني جرم، وقيل بني خفاجة، ليدعوهم إلى الإسلام، فسبوه وضربوه، وأوقعوا به الأذى: «لو أن أهل عمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك»؛ وهو ثناء يبرز قيمة صالح الأخلاق والحِلم والأناة، وهي من القيم العظيمة التي أرستها السيرة النبوية.

اليوم، أكثر من أي يوم مضى، تقع مسؤولية التعريف بالسيرة النبوية على عاتق المؤسسات العلمية والثقافية لمواصلة الرسالة، وإتاحة هذه الثروة المعرفية للباحثين والأجيال الجديدة؛ وفي هذا السياق تبرز جهود «مركز ذاكرة عمان» في صون التراث الفكري وحفظ الذاكرة العمانية، وإسهامات «مركز البحوث والدراسات العمانية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا» في دعم البحث العلمي ومد جسور التواصل الثقافي؛ وفي امتدادها جاء الأسبوع الماضي «المؤتمر الدولي العماني العاشر» بماليزيا، والمخصص لدراسة السيرة النبوية في التراث العماني، ضمن أعمال «الملتقى العماني الثاني»؛ وهي مبادرة علمية رائدة تستحق الإشادة والتقدير، لما حملته من اهتمام بإبراز عطاء علماء عمان، والتعريف بإسهاماتهم في خدمة السيرة، وتوثيق التعاون بين الباحثين والمؤسسات العلمية، وتعزيز الأواصر بين سلطنة عمان وماليزيا والعالم الإسلامي عموما.

أختم بأن الأمة، وفي حالها الحالي، في أمس الحاجة إلى مبادرات لا تكتفي بالاحتفاء بالماضي، بل تسعى إلى الإفادة منه في الحاضر؛ فالمخطوطات والمصنفات ليست أوراقا تحفظ في المكتبات فحسب، بل هي شواهد على عقول اجتهدت، وأجيال تعلمت، وحضارة أسهمت في خدمة العلم والإنسان؛ ومن الوفاء لأولئك العلماء أن نقرأ آثارهم، ونحقق مؤلفاتهم، ونعرف الأجيال بما قدموه؛ وأحسب أن من أجمل ما تقدمه المؤسسات العلمية والثقافية لأمتها، أن تصل بين الأجيال، وتجمع بين أصالة التراث ومتطلبات العصر، وتبقي أبواب المعرفة والتواصل مفتوحة بين الشعوب؛ فالسيرة النبوية التي جمعت القلوب على المحبة والرحمة وحسن الخلق، جديرة بأن تكون مصدرا دائما لما يجمعنا، لا لما يفرقنا؛ وحفظها لا يكتمل إلا حين تصبح أخلاق صاحبها صلى الله عليه وسلم حاضرة في حياتنا؛ وما أجمل أن نحيا بقيمها بين الناس.