ليست كل النهايات موتاً، كما أن كل احتراق ليس رماداً.
ثمة أشياء تحترق في حياتنا كي تضيء لنا الطريق، وأشياء أخرى تحترق لأننا تشبثنا بها طويلاً، حتى نسينا أن بعض ما نحبه لا يكتب له البقاء.
كالسعفة حين تمسها النار.
تبدأ الحكاية بورقة خضراء كانت يوماً عالية في قلب النخلة، تراقب الشمس وتصافح الريح، ثم تأتي شرارة صغيرة لا تكاد تُرى، فتتسلل بين عروقها اليابسة، وتحول اخضرارها إلى لون آخر. لا تصرخ السعفة، ولا تطلب النجاة، بل تمضي في احتراقها بصمت، حتى لا يبقى منها إلا أثر خفيف في الهواء.
وهكذا الإنسان أحياناً.
يحترق دون أن يراه أحد.
تحترق فيه أمنية كان يعول عليها، وذكرى كان يظنها أبدية، وثقة منحها يوماً لمن لم يكن جديراً بها. وقد يحترق قلبه من كثرة الانتظار، لا من شدة الفقد؛ فالانتظار نار هادئة، لا يراها الناس، لكنها تأكل من الداخل أكثر مما تفعل العواصف.
ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نخاف من كل احتراق.
فالنار لا تأخذ دائماً؛ أحياناً تنقي.
هناك أشياء لا نستطيع أن نتركها إلا بعد أن تحترق في داخلنا: تعلق قديم، وخوف مزمن، وصورة مثالية عن شخص لم يكن كما ظنناه، أو حلم انتهى ونحن ما زلنا نطرق بابه.
ولعل الحكمة ليست في أن نحافظ على كل شيء، وإنما في أن نعرف متى نترك ما انتهى.
فالسعفة حين تحترق لا تعود إلى النخلة، لكن النخلة لا تموت.
تبقى واقفة.
تخرج سعفاً جديداً، وتظل جذورها في الأرض، كأنها تقول لنا: إن ما سقط منك ليس بالضرورة ما يسقطك.
قد تفقد شيئاً كنت تظنه حياتك كلها، ثم تكتشف بعد سنوات أنه كان مجرد فصل من كتابك.
وقد يغلق في وجهك باب بكيت طويلاً أمامه، ثم تكتشف أن وراءك أبواباً كثيرة لم تلتفت إليها؛ لأنك كنت منشغلاً بمقبض الباب المغلق.
الحياة لا تعدنا بأن كل ما نحبه سيبقى، لكنها تمنحنا قدرة عجيبة على أن نبدأ من جديد.
وهذه القدرة هي التي تجعل الإنسان أعظم من خسارته.
فلا تحزن كثيراً على ما احترق.
تأمل رماده قليلاً، ثم اتركه للريح.
لا تسأل النار لماذا أخذت ما أخذت، ولا تقف طويلاً أمام بقايا الأشياء؛ فالرماد لا يعيد شجرة، والحزن لا يعيد زمناً.
خذ من الاحتراق حكمته فقط:
أن ما كان أخضر قد يصير رماداً، وأن ما ظننته نهاية قد يكون بداية لا تعرفها بعد.
ولعل أجمل ما في النخلة أنها لا تنظر إلى سعفة سقطت منها، بل تظل واقفة، عميقة الجذور، تنتظر موسماً جديداً.
وهكذا ينبغي لنا أن نكون.
إن احترقت سعفة من أعمارنا، فلا نحرق النخلة كلها من أجلها.
يكفي أن نتعلم.
يكفي أن نكبر قليلاً.
يكفي أن نعرف أن بعض الأشياء خُلقت لتغادر، وأن بعض الأشخاص كانوا دروساً متنكرة في هيئة أحبة، وأن بعض الخسارات كانت رحمة لم نفهمها إلا بعد أن هدأ الرماد.
فلا تخشَ أن تحترق سعفة من حياتك؛ اخشَ فقط أن تحترق جذورك وأنت واقف تتأمل النار.
أما السعفة، فستسقط.
وأما النخلة، فإن بقيت جذورها حية، فسوف تخضر من جديد.
كاحتراق السعفة
لبنى حجازي3 دقائق للقراءةحجم الخط
