في مجلس الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز أمير منطقة مكة المكرمة الراحل، وقبل وفاته رحمه الله، طُرح موضوع تليفريك جَبَلَي النور وثور، وكلنا يعلم أن جبل النور قد تشرف به غار حراء، بينما يضم جبل ثور غار ثور، وهما جبلان مهمان جدا في التاريخ الإسلامي، فالأول كان يتعبد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي عليه ثم نزل عليه جبريل عليه السلام بأولى آيات القرآن الكريم.
أما الثاني فقد ضم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه في هجرتهما المباركة إلى المدينة المنورة.
أقول إن موضوع إقامة مشروع (تليفريك) لهذين الجبلين طرح في مجلس الأمير عبدالمجيد وتحمس له سموه واستحسنه، وقد كنت حاضرا هذا الاجتماع في مجلسه الأسبوعي رحمه الله...
لكن بعد وفاته لم نسمع شيئا عن هذا المشروع.
إنني كلما مررت بحي الهجرة بمكة والذي يقع فيه جبل ثور، أشعر بألم شديد عندما أرى عشرات الحافلات تقف عند سفح الجبل وقد جلبتْ آلاف الحجاج والمعتمرين والزوار الذين يحملون في قلوبهم شغفا كبيرا لرؤية المكان الذي ضم المصطفى صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه، لكنهم (أي الحجاج) لا يستطيعون الوصول لأعلى الجبل لارتفاعه الشاهق، إِمَّا لكبر سن القادمين أو لأن البعض منهم من النساء اللاتي يعجزن عن تسلق الجبل (كان ذلك في جبل النور أو جبل ثور).
إن المشكلة تكمن في أن اعتقاد البعض بأن هؤلاء الراغبين في الصعود لقمة الجبل لرؤية الغار قد يرتكبون بعض المفاسد أو البدع أو أنهم يتبركون بهذه الأماكن! وأرد على ذلك بالآتي:
-1 إذا نحن تركنا هؤلاء الحجاج دون أن ننشر فيهم الوعي فإننا نكون قد تركناهم على ما هم عليه من أخطاء ومعتقدات، جاؤوا للجبلين أم بقوا بعيدا عنها.
-2 بإقامة مشروع التليفريك فإننا سننظم رحلات متتالية للغار، تجعلنا ننشر الوعي بين هؤلاء والتوجيه والإرشاد والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونكون بذلك قد ضربنا أكثر من عصفور بوردة واحدة.
-3 لو أقيم مشروع التليفريك فيجب أن تصنع عرباته من النوع الدائري الكبير الذي يتسع لخمسين شخصا، ويمكن مشاهدة نموذج من هذه العربات في مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، من التي تحمل السياح إلى جبل المائدة.
-4 يمكن لهذه العربات أن تأخذ الناس لأعلى الجبل، لتقف لمدة خمس دقائق دون أن ينزل منها الركاب الذين سيستمعون لرسالة صوتية بعدة لغات، تشرح لهم تاريخ وقصة المكان، كما يمكن أن نضمنها النصح والإرشاد.
-5 ولو أردنا للزائرين أن يترجلوا من عربة التليفريك أعلى الجبل، فلابد من إيجاد ساحة (مصطبة) كبيرة لها سياج يطل على الغار يمنع الموجودين من النزول عنده أو الدخول فيه، فيشاهد الناس الغار من هذه الساحة، ويمكن أن يضم المكان معرضا لبيع التذكارات مثل صور الحرمين وصور الغار وكتيبات تحتوي على سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهجرته، وكذلك المرطبات والوجبات الخفيفة، كما يمكن وضع تلسكوبات لمشاهدة معالم مكة المكرمة من الأعلى، وبذلك نكون قد أشبعنا شغف الناس الراغبين في رؤية الغارين وكذلك نكون قد نشرنا الوعي والتوجيه والإرشاد والعلم بين الناس.
-6 بالإضافة إلى التليفريك، يمكن ولطبوغرافية جبل ثور، إقامة مشروع قطار جبلي، ونموذج ذلك موجود في الـ(كيب بوينت Cape Point) في جنوب أفريقيا المطلة على ملتقى المحيطين الأطلسي والهندي أو كما يطلق عليها مسلمو جنوب أفريقيا (مرج البحرين)، كما يوجد نموذج آخر للقطار الجبلي في ولاية كلورادو بأمريكا.
فنرجو ألا نحرم أنفسنا وألا نحرم أبناءنا والأجيال القادمة من بعدنا وكذلك الحجاج والمعتمرين، ألا نحرمهم من رؤية مثل هذه الأماكن التي قد تزيد من إيماننا، خاصة عندما نستمع، في نفس المكان، للآيات التي نزلت فيه، وعندما نتذكر جهاد وحياة وسيرة أعظم البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم...علما أن هذه المشاريع تدر الملايين فتكون فيها فوائد اقتصادية أيضا....فهل نرى ذلك قريبا؟

