تأتي المواقف الكبرى حين تبلغ الأحداث حدًّا لا يجوز معه الصمت، وحين يصبح واجب البيان جزءًا من واجب حماية الدين والإنسان والوطن. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية بيان الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بشأن جرائم ميليشيا الحوثي الإرهابية ومحاولاتها استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ إذ يزن هذه الأفعال بميزان الشرع، ويؤكد أن حرمة المقدسات ليست مجالًا للمساومة أو المناورة السياسية.
إن إصدار موقف ديني بهذا الوضوح يستدعي دراسة عميقة للحدث، وإدراكًا لطبيعة المسؤولية التي يتحملها العلماء؛ فالكلمة الشرعية لا تكون انفعالًا عابرًا، بل موقفًا يستند إلى فهم الوقائع واستحضار النصوص وتقدير خطورة الأفعال وعواقبها.
ومن هنا تأتي أهمية البيان في إدانته الصريحة للاعتداء، واستشهاده بآيات القرآن الكريم التي تحرم الإفساد في الأرض وانتهاك الحرمات، وتؤكد صيانة الأنفس والأموال والأمن.
ولعل أبرز ما حمله البيان مقارنته الواضحة بين جرائم الحوثيين وما ارتكبته جماعات متطرفة كـ"جهيمان" وداعش والقاعدة.
وهي مقارنة تقدم رسالة واضحة مفادها أن الإرهاب لا تتغير حقيقته بتغير الأسماء، ولا تكتسب الجريمة فيه شرعيتها من شعارات دينية أو سياسية.
فمن يستبيح دماء الأبرياء، ويهدد أمن المسلمين، ويتجرأ على مقدساتهم، يكشف بأفعاله حقيقة المنهج الذي يسلكه، مهما ادعى لنفسه من أهداف أو مظالم أو مبررات.
وكل الجرائم محرمة، لكنها تبلغ أقصى درجات خطورتها حين تتجه نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فهما مقدستان في وجدان المسلمين جميعًا، والاعتداء عليهما يمس مشاعر أمة بأكملها لا شعباً بعينه. والمملكة العربية السعودية تتحمل، بحكم مسؤوليتها عن الحرمين الشريفين، أمانة عظيمة في الذود عنهما وحمايتهما وتأمين حياة قاصديهما.
وهي أمانة جليلة تنهض بها قيادة واعية، ومؤسسات أمنية وعسكرية عالية الجاهزية، ومرجعية علمية تبين للناس الحكم الشرعي في كل اعتداء يستهدف الدين أو الوطن أو المقدسات.
وتقف القوات المسلحة السعودية، وفي مقدمتها قوات الدفاع الجوي، في خط الدفاع الأول عن سماء الوطن ومقدساته، بما تمتلكه من كفاءة واستعداد وتطور مستمر. ومن خلفها يقف الشعب السعودي متلاحمًا مع قيادته وقواته، ومدركًا أن حماية الحرمين شرف إيماني وواجب وطني، وأن أمنهما مسؤولية لا تقبل التهاون أو التفريط.
وهكذا تتكامل العقيدة مع القوة، والعلم الشرعي مع القرار المسؤول، والجاهزية العسكرية مع تماسك المجتمع في منظومة لا تستهين بالتهديدات ولا تسمح بحدوث الزلل.
وستظل المملكة، بعون الله، قوية في حماية مقدساتها، حازمة في مواجهة التهديدات، ومتمسكة برسالتها في خدمة الإسلام والمسلمين. فمن يعتدي على الحرمين الشريفين يواجه مسؤولية تتجاوز حدود الصراع السياسي، ويستحق إدانة في الأرض قبل عقوبة السماء؛ لأن حرمتهما في ضمير الأمة أعظم من أن تطمسها الشعارات أو تبرر انتهاكها المصالح.
والفتوى تمثل ضمير كل مسلم غيور على مقدساته، وتعكس موقفًا حاسمًا ومتوقعًا من دولة جعلت حماية الحرمين الشريفين نهجًا ثابتًا وغاية لا تحيد عنها.
فتوى هيئة كبار العلماء دفاعًا عن المقدسات
شاهر النهاري3 دقائق للقراءةحجم الخط
