حين تستولي جماعة مسلحة على مؤسسات الدولة، قد يصبح المجتمع ممولا للقوة التي تصادر قراره. وهذه عقدة الحوثي: سلطة تستفيد من موارد البلد، وتضع إرادتها فوق إرادة أهله، ثم تطلب من العالم التعامل مع سلاحها بوصفه حقا مكتسبا. لذلك، فإن إنهاء هذه السلطة ضرورة لاستعادة اليمن، وحماية جواره.

يتقاطع الحوثي مع داعش والقاعدة في توظيف الدين لاحتكار الحقيقة وإخضاع الآخرين، رغم اختلاف العقائد والتنظيمات. المشكلة في مشروع يمنح الجماعة حصانة من المساءلة، ويعامل التعدد باعتباره تهديدا. ومن الخطأ افتراض أن امتلاك مؤسسات الحكم سيجعل هذا المشروع أكثر اعتدالا تلقائيا؛ فقد يمنحه أدوات أوسع لفرض نفسه.

والوثائق تكشف مسار الخطر. ففي 2015، طالب قرار مجلس الأمن 2216 الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها، وتسليم الأسلحة المنتزعة من المؤسسات العسكرية والأمنية. وبعد تسع سنوات، وصف فريق الخبراء الأممي تحولهم من جماعة محدودة القدرات إلى تنظيم عسكري قوي يمتلك صواريخ باليستية ومسيرات، بمساعدة خارجية شملت التدريب والتسليح. وأشار التقرير نفسه إلى تعاون متزايد مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، بما يكشف تقاطع المصالح رغم التناقض المذهبي.

ثم أورد تقرير الفريق لعام 2025 ضبط القوات اليمنية أكثر من 750 طنا من الذخائر والمعدات الموجهة للحوثيين في يونيو من ذلك العام. وتناول سيطرتهم على قطاع الاتصالات وإيراداته الكبيرة. هنا تتضح الحلقة: موارد تمول الاستمرار، وشبكات تمد الجماعة بالسلاح، وقدرات تجعل كلفة مواجهتها أعلى.
هذه الوقائع تضعف الرهان على أن مرور الزمن وحده سيهذب الجماعة. فالزمن، مع استمرار التمويل والتسليح، قد يعمل لمصلحتها. ووقف النار يحمي المدنيين ويتيح التفاوض، لكنه يحتاج إلى التزامات قابلة للتحقق؛ وإلا بقي خطر تحويل التهدئة إلى فرصة لإعادة بناء القوة. لا ينبغي أن تصبح الدول الملتزمة بالقانون أسيرة وعود لا يرافقها تنفيذ.

ومن هنا تقرأ أهمية النهج السعودي في إدارة المواجهة بأبعادها العسكرية والسياسية والدبلوماسية. عقب الاعتداءات على مطار الملك خالد الدولي، أدان مجلس الأمن في بيانه الرئاسي الصادر في 15 أكتوبر الهجمات الحوثية، وأكد حق المملكة في الدفاع عن النفس، ودعا لمنع إمداد الجماعة بالسلاح. تحصين الموقف دوليا يوسع أدوات التعامل مع المعتدي وداعميه، ويمنع اختزال القضية في تبادل ضربات أو عمليات ردع مؤقتة.

فالصراع تتداخل فيه مصالح دول كبرى وإقليمية، وتتحول الجماعات المسلحة إلى أدوات نفوذ وضغط. لذلك يحتاج الحسم إلى ترتيب سياسي يوازي العمل العسكري، بإشراك حلف مكة بوجود باكستان وتركيا بالدعم، والموقف المصري القوي، إضافة إلى الدعم العسكري الدفاعي والاستخباراتي واللوجستي من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، كل تلك المعادلات تقطع الطريق أمام الجبهة التي تقف خلف الحوثي، لتبقى الكرة في جبهة يمنية موحدة حول استعادة الدولة؛ لأن تباين مشاريع الشركاء في الوطن قد يهدر ما تحققه الجبهات.

وفي هذا السياق، يكتسب إعلان وزير الدفاع اليمني أن عملية (فجر اليمن) تتكون من ست مراحل دلالة إيجابية على اعتماد التدرج. ويبقى اختبار الاستفادة من الدروس السابقة في وحدة القيادة، وإدارة المعركة، وحماية المدنيين، وقدرة المؤسسات على إدارة المناطق المستعادة؛ فالانتصار يحتاج إلى دولة تحرسه.

المطلوب إنهاء احتكار الحوثي للسلاح والقرار، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وبناء دولة تتسع لليمنيين. هذا هو الحسم الذي يستحق الدعم: أن يستعيد اليمن حقه في الحياة، وتستعيد المنطقة حقها في الأمن، دون أن يبقى مستقبلها رهينة لجماعة تزداد قدرتها على الإيذاء كلما غابت القيود الفعلية عليها.

Abdullah_Yabisi@