دخلت المستشفى بسبب وعكة صحية، ولم أكن أعلم أن الأيام التي سأقضيها هناك ستمنحني، إلى جانب العلاج، قصة ستبقى عالقة في ذاكرتي طويلاً.
كان يشاركني الغرفة رجل يمني اسمه (قايد).. هادئاً وبشوشاً، لا تكاد الابتسامة تفارق وجهه رغم أن حكايته لم تكن تحمل كثيراً مما يدعو إلى الابتسامة.. سألته عن سبب وجوده في المستشفى، فأخبرني أنه كان يتناول السمك قبل نحو أسبوع، فعلقت شوكة في حلقه ثم ابتلعها، ولم يشعر بعدها بشيء يستحق الاهتمام، وبعد أيام بدأ ألم شديد في بطنه، حتى نُقل بالإسعاف إلى المستشفى.. وهناك اكتشف الأطباء أن الشوكة اخترقت جدار الأمعاء وتسببت في التهاب، وأن إخراجها يتطلب تدخلاً جراحياً دقيقاً.. كانت شوكة صغيرة هي التي أوصلته إلى السرير بجواري، لكنها فتحت أمامي حكاية أكبر بكثير.
كان قايد خريجاً جامعياً في الشريعة، ينتظر أن يبدأ حياته معلماً، قبل أن تتغير الأوضاع في اليمن وتتغير معها حياته كلها.. حكى لي كيف اعتُقل ذات يوم أمام أطفاله من قِبل جماعة الحوثي، واقتيد إلى مكان احتجاز تحت الأرض لا تعرف أسرته عنه شيئاً.. ظل والداه يسألان عنه، وكان الجواب: لا يوجد لدينا أحد بهذا الاسم.
قضى هناك قرابة شهر أو يزيد، ولم يكن يحفظ من أرقام الهواتف سوى رقم شيخ قبيلة يعرفه ويحظى بمكانة واحترام. وحين اقترب أحد المعتقلين معه من الخروج، أعطاه الرقم وطلب منه أن يخبر الشيخ بمكانه.
وصل الخبر، وجاء الشيخ مع عدد من الرجال.. وعندما سمع قايد صوته ينادي باسمه قال لي وهو يستعيد تلك اللحظة: "كأنني ولدت من جديد".
عاد إلى أسرته، لكن والده أخبره في اليوم التالي أن اثنين من أصدقائه قُتلا، وأن عليه أن يغادر قبل أن يصل إليه الدور.. ودّع والديه وزوجته وأطفاله، وغادر خلسة إلى جنوب اليمن.. هناك أراد الانضمام إلى الجيش الوطني، لكن والده رفض خوفاً عليه، فهو وحيد والديه وله زوجة وأطفال.. وعندما وصل إلى مركز التجنيد، وجد أن والده قد سبقه بالاتصال بهم، فذكّره الضابط بقول النبي ﷺ لمن جاء يستأذنه في الجهاد وله والدان: (ففيهما فجاهد). قال قايد: "عدت وأنا أبكي".
عمل بعدها في إحدى المزارع قرابة عامين، وحاول إقناع والديه بالانتقال إليه، لكن والده رفض مغادرة بيته وأرضه، وقال له: "هنا ولدت في هذا البيت، وهنا أُدفن فيه".. ومع استمرار الخطر، قرر قايد التوجه إلى السعودية.. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر استغرقت قرابة خمسة عشر يوماً حتى وصل إلى الحدود، متنقلاً مع أحد المهربين، وكأنه - كما وصف نفسه - "كيس علف" يريد صاحبه فقط أن يوصله إلى وجهته.
سألته: ألم تكن تخشى أن يكتشفكم الجيش السعودي؟ فأجاب بجملة لم أنسها: "كنا نتمنى أن يكتشفونا، حتى نصل إليهم، نحن كنا هاربين من الموت....".
دخل المملكة وعمل فيها، ثم كان ممن شملهم تصحيح أوضاع الأشقاء اليمنيين. وحين تحدث عن العملية التي أجريت له قال ممتناً: "لو أكلت هذه الشوكة في اليمن، ربما لم تجدني اليوم أمامك.. لقد نجوت من الموت ثلاث مرات"، في إشارة إلى ما وجده هنا من رعاية صحية وأمان.. لكن أكثر ما بقي في نفسي من حكايته لم يكن السجن ولا الهروب ولا حتى العملية.
كانت أمه.. كانت تتصل به أثناء وجوده في المستشفى، لكنه لم يخبرها بحقيقة ما جرى له.. فسألته بعفوية: لماذا؟
قال: "أمي إذا أرادت أن تتصل بي، تحتاج أن تقطع نحو خمسة عشر كيلومتراً من قريتنا إلى قرية أخرى يوجد فيها اتصال.. ما أبغاها تتعب وتروح كل هذه المسافة وهي خايفة عليّ.. قلت لها أنا بخير وبين ناس كِرام".
صمتُّ... كنت أنا وهو في الغرفة نفسها، لكن المسافة بين تجربتينا في تلك اللحظة بدت أكبر بكثير من بضعة أمتار.
نحن أحياناً لا نشعر بحجم النعمة؛ لأننا وُلدنا داخلها واعتدنا تفاصيلها.. مستشفى قريب، وطبيب حاضر، وهاتف يعمل، وطريق آمن، وأسرة تستطيع الوصول إلينا، ودولة ننام فيها ونحن مطمئنون على أهلنا وأطفالنا.. الأمن حين يستمر يصبح جزءاً من تفاصيل الحياة، حتى نكاد ننسى أنه من أعظم تلك التفاصيل.
وحين ننظر حولنا اليوم، وسط ما تمر به منطقتنا من أحداث واضطرابات، ندرك أن هذه النعم لم تأتِ من فراغ، ولا تستمر من تلقاء نفسها. خلفها جنود يقفون على الحدود، ورجال أمن يسهرون في الداخل، وأطباء يحفظون حياة الناس، ومعلمون يبنون الإنسان، وموظفون وعاملون ربما لا يراهم أحد، لكن أثر أمانتهم يصل إلى الجميع.. والأهم من ذلك كله، أنهم يستشعرون أن الله سبحانه وتعالى يراهم، وأن ما يقومون به أمانة قبل أن تكون وظيفة!
وربما علينا أن نوسع معنى كلمة (الجندي).. فالجندية للوطن ليست دائماً سلاحاً يُحمل أو زياً يُرتدى؛ كل مواطن يؤدي واجبه بإخلاص هو، بمعنى من المعاني، جندي في موقعه، يحمل أمانة أمام الله، ثم مسؤولية أمام ولاة الأمر ووطنه ومجتمعه. فالموظف الذي ينجز معاملة إنسان بعدل وصدق جندي في موقعه، والطبيب الذي يرى في المريض أمانة قبل أن يراه رقماً، والمعلم الذي يستشعر مسؤوليته، والمسؤول الذي يجعل المصلحة العامة والعدل أساساً لقراراته؛ جميعهم يحمون شيئاً من هذا الوطن.. فالأوطان لا يحميها فقط من يقف على حدودها، بل يحميها أيضاً من يحفظ الأمانة داخلها.
غادر قايد المستشفى قبلي، ولم أتدارك أن آخذ رقم هاتفه، لكنني كنت قد استأذنته أن أكتب قصته يوماً ما، فأذن لي.. واليوم، وسط ما تمر به منطقتنا، تذكرت قايد؛ ابتسامته، وأمه التي تقطع الكيلومترات لتسمع صوته، ووالده الذي أبى مغادرة أرضه، ورحلته الطويلة بحثاً عن الأمان، وجملته البسيطة: "أنا بخير وبين ناس كرام". وربما لم يكن يعلم وهو يغادر المستشفى أنه ترك لي سؤالاً أكبر من حكايته: إذا كنا نعرف قيمة هذا الوطن، فماذا نفعل نحن، كلٌّ في موقعه، لنحفظ هذه النعمة؟
حفظ الله بلادنا، وقيادتنا وأهلنا وجنودنا، وأدام علينا الأمن والاستقرار، وأعاد لليمن وأهله الأمن والسلام.
حكاية (قايد)... والأمان الذي اعتدناه!
فهد عبدالله العنزي5 دقائق للقراءةحجم الخط
