لعل من أكثر المفارقات الإنسانية إثارة للتأمل أن الإنسان يتقبل تقدمه في العمر، لكنه قد يعجز عن تقبل حقيقة أن الزمن الذي شكل وعيه وصنع قناعاته لم يعد هو الزمن الذي يحكم الحياة من حوله!

فنحن حين ننظر إلى أبنائنا، كثيرا ما نقيس اختياراتهم بمعايير الحياة التي عرفناها، ونستغرب اختلاف رؤيتهم عن رؤيتنا، متناسين أن آباءنا وقفوا يوما في الموضع ذاته، ونظروا إلينا بالدهشة نفسها. وهكذا تتعاقب الأجيال، بينما يظل الإنسان معتقدا أن تجربته تمنحه فهما أكثر اكتمالا للحياة ممن جاءوا بعده.

ولكن، هل تكمن المشكلة في اختلاف الأجيال، أم في عجز الإنسان عن إدراك اللحظة التي يتحول فيها زمنه من حاضر يعيشه إلى ماض يستحضره؟

إن لكل جيل زمنه الذي تتشكل داخله رؤيته للحياة، ولم يكن التغيير يوما ظاهرة مستحدثة، غير أن ما يميز عصرنا هو تسارع التحولات إلى الحد الذي بات فيه الإنسان يشهد خلال عقود قليلة تغيرات كانت تحتاج سابقا إلى أجيال متعاقبة.

وهنا تنشأ إشكالية عميقة؛ فالإنسان الذي أمضى سنوات في بناء منظومته الفكرية يجد نفسه أمام واقع لم تعد بعض معاييره القديمة كافية لتفسيره. ولعل أصعب ما يواجهه هو الخلط بين تراجع صلاحية بعض أدواته في فهم الحاضر، وبين تراجع قيمة تجربته الشخصية، فيتمسك بأحكامه القديمة دفاعا عن ذاته، بينما يعتقد أنه يدافع عن الحقيقة.

ومن هنا يتشكل جانب مهم من صراع الأجيال؛ حين يطالب الجيل السابق أبناءه، دون وعي، بأن يعيشوا وفق شروط زمنه، وأن يواجهوا تحديات حاضرهم بأدوات صنعت لواقع مختلف. وفي المقابل، يجد الجيل الجديد نفسه مطالبا بالتوفيق بين عالم يعيشه وآخر يُطلب منه الاحتكام إلى معاييره.

ومع ذلك، فإن حداثة الزمن لا تمنح الجيل الجديد عصمة من الخطأ، كما أن طول التجربة لا يمنح الجيل السابق احتكارا للحكمة. فليس كل جديد تقدما، ولا كل قديم عائقا أمامه. لكن المسؤولية الأكبر في بناء التفاهم تقع على الجيل السابق، الذي يفترض أن تمنحه خبرته قدرة أوسع على استيعاب اختلاف الظروف وتبدل أنماط الحياة.

وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته «المراجعة العمرية للوعي» فربما نمضي العقود الأربعة الأولى من أعمارنا ونحن نبني رؤيتنا للعالم، لكن اقترابنا من الخمسين أو تجاوزها ينبغي أن يفتح أمامنا مرحلة جديدة نراجع فيها أدوات فهمنا للحياة، ونميز بين القيم الإنسانية الثابتة وأنماط العيش المتغيرة.

فالاحترام لا يفقد قيمته بتغير الأزمنة، لكن صور التعبير عنه قد تختلف، والمسؤولية لا تتراجع أهميتها وإن تبدلت وسائل ممارستها. ولذلك فإن النضج الحقيقي لا يقاس بما تراكم لدينا من خبرات فحسب، بل بقدرتنا على إعادة قراءة تلك الخبرات في ضوء واقع جديد.

وربما يكون أخطر ما يحدث لنا مع تقدم العمر أننا نواصل النظر إلى العالم من نافذة زمننا القديم، ثم نندهش لأن المشهد لم يعد يشبه الصورة التي احتفظنا بها في ذاكرتنا، فنظن أن الحياة فقدت اتزانها، بينما قد نكون نحن من فقد القدرة على تجديد أدوات فهمها.

إننا لا نحتاج إلى أن نكون نسخة من أبنائنا حتى نفهمهم، ولا يحتاج أبناؤنا إلى أن يكونوا نسخة منا حتى يحترموا تجاربنا. فالحكمة ليست أن نعرف عن الحياة أكثر مما يعرفون، وإنما أن ندرك أن الحياة التي عرفناها ليست كل الحياة، وأن الزمن الذي صنع وعينا لم يكن نهايتها، بل فصلا من فصولها المتجددة.

hananabid10@