التلاحم الوطني ومعادلة القوة السعودية
مطير سعيد الزهراني3 دقائق للقراءةحجم الخط
تدخل العلاقة بين القيادة والشعب في صميم تقدير قوة الدولة؛ فهي تحدد مقدار ما يحمله موقفها من تماسك داخلي، وما يستند إليه قرارها من ثقة، وما تمتلكه من قدرة على تجاوز الضغوط. وفي السعودية، تكتسب هذه العلاقة خصوصيتها من محبة متجذرة، تشكلت عبر تاريخ الدولة واستقرت في الوجدان الوطني. ومن هنا يصبح فهم المملكة محتاجا إلى قراءة ما يجمع السعوديين بقيادتهم، بالقدر الذي يحتاج فيه إلى قراءة اقتصادها وموقعها وقدراتها العسكرية.
وترسخت هذه الخصوصية في تجربة توحيد المملكة؛ إذ اقترن تشكل الوطن السعودي بقيادة جمعت أجزاءه، وأقامت دولته، ومنحت وحدته صورتها السياسية. ولذلك يحتل الملك عبدالعزيز موقعا في الذاكرة يتصل بمعنى الوطن نفسه، ومع امتداد الدولة وتعاقب ملوكها، تواصل حضور القيادة في الوعي العام بوصفها حاملة لهذه المسيرة؛ وهكذا نشأت رابطة يتداخل فيها التاريخي والوجداني، ويكتسب فيها الوفاء عمقا يتجاوز المناسبة والموقف العابر.
ولهذا التداخل أثر بالغ في طبيعة الانتماء؛ فالسعوديون يتلقون تاريخ بلادهم باعتباره تاريخا ينتسبون إليه، ويحملون الاعتزاز بوحدتها بوصفه جزءا من شخصيتهم الوطنية. ومن داخل هذا الاعتزاز تنمو المحبة للقيادة؛ محبة لها لغتها وعادات التعبير عنها، وتجد امتدادها في ثقافة الوفاء وحفظ العهد وتقدير الرموز الجامعة، وتمنحها استمرارية الدولة عبر الأجيال رسوخا يجعلها حاضرة في تكوين الموقف قبل التعبير عنه.
وعند هذه النقطة تظهر قوة المعادلة السعودية: تستند القيادة إلى شعب يحمل لها ولاء أصيلا، ويتجسد انتماء الشعب في دولة يلتف حول قيادتها، وهذه الصلة تمنح المملكة تماسكا تتعزز به سائر عناصر قوتها؛ فالقدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية تعمل ضمن كيان يجمعه شعور وطني عميق، وكلما اشتدت الضغوط، برزت قيمة هذا التساند في حفظ الاتجاه، واستيعاب التوتر، واستمرار الدولة في أداء دورها بثبات.
ومن ثم، تخطئ القراءات التي تتعامل مع العلاقة بين السعوديين وقيادتهم باعتبارها قابلة لإعادة التشكيل بواسطة خطاب عابر أو حملة إعلامية. فالتأثير في هذه الرابطة يعني مواجهة تاريخ استقر في الوجدان، وثقافة تمنح الوفاء مكانة رفيعة، وإحساسا بالانتماء يتصل بتعريف الإنسان لنفسه. وهذا العمق يفسر محدودية القراءة التي تقيس المجتمع بضجيج المنصات؛ إذ تمنح الأصوات الطارئة وزنا يفوق امتدادها، وتغفل عمق الروابط الوطنية الممتدة خارج فضائها.
ومع ذلك، فإن الاعتزاز بهذا الرصيد يحمّل أبناء الوطن مسؤولية الارتقاء بطريقة التعبير عنه، فالمحبة العميقة تستحق خطابا رصينا، يحفظ مكانة المملكة، ويجمع السعوديين، ويصون اختلافاتهم من التحول إلى خصومات تستنزف وحدتهم، كما أن الوفاء للقيادة يكتسب صدقه العملي من اتزان المواطن، وأمانته في الكلمة، ووعيه بأثر ما ينشر، وقدرته على تقديم صورة تليق بوطنه؛ وبذلك تتصل حرارة الشعور بنضج السلوك.
وفي المرحلة الراهنة، تتأكد أهمية هذا الوعي؛ لأن استهداف الثقة يستطيع أن يبدأ بخبر مبتور، أو تفسير متعجل، أو محاولة لتوسيع خلاف محدود. ويأتي التلاحم هنا قوة تحفظ للمجتمع توازنه، وللدولة سندها، وللقيادة قدرتها على إدارة الموقف وسط تعقيداته. فالمواطن الواثق ببلاده يعرف قيمة الكلمة التي يطلقها، ويدرك أن صيانة الوحدة مسؤولية يشترك فيها الجميع.
ومن هنا، يمثل التلاحم بين الشعب والقيادة مدخلا أساسيا لفهم القوة السعودية؛ إذ تتحول المحبة المتجذرة إلى قوة ذات أثر سياسي واستراتيجي. وفي اجتماع الوجدان الوطني مع وحدة الدولة وثبات قيادتها، تتكون معادلة تمنح المملكة صلابتها؛ إذ يقف وراء موقفها وطن متماسك، ويحمل قرارها عمق شعب يعرف انتماءه ويصون وفاءه.
Drmutir@
