إن الاستقرار الشامل والمستدام الذي تنعم به المملكة العربية السعودية منذ عهد التأسيس ليس مجرد مكتسب وطني داخلي، بل هو الركيزة الأساسية والمحور الجوهري للأمن القومي والاقتصادي والسياسي للعالم بأسره. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة بائسة لخدش هذا الاستقرار من قبل شرذمة ضالة أو فئات غير مسؤولة دمرت أوطانها بسوء تدبيرها، وارتهانها لأجندات الفوضى، وتسعى اليوم لجر المنطقة والمسرح الدولي بأكمله إلى مستنقع الخراب، لا تمثل اعتداء على المملكة ومواطنيها فحسب، بل هي استهتار صارخ بالسلم الدولي ومغامرة غير محسوبة العواقب ستدفع ثمنها العواصم العالمية كافة دون استثناء.

قدرة المملكة الذاتية وسيادتها المطلقة لحماية مكتسباتها التنموية
يجب على المجتمع الدولي، بمؤسساته وقواه الكبرى، أن يعي تماما أن المملكة العربية السعودية لا تنطلق في مواقفها من مكامن ضعف، ولا تطلب العون أو المساعدة الأمنية من أي طرف كان لحماية حدودها وأراضيها وسيادتها. تمتلك المملكة منظومة عسكرية ودفاعية تعد من بين الأحدث والأقوى على مستوى العالم، حيث صنف موقع «غلوبال فاير باور» وقواعد البيانات العسكرية الدولية الجيش السعودي ضمن الأقوى إقليميا بفضل التسليح المتطور والجاهزية العالية والقدرات الهجومية والدفاعية الفائقة، وتجلت هذه القوة ميدانيا في النجاح الاستثنائي لمنظومات الدفاع الجوي الملكي السعودي (مثل صواريخ باتريوت وغيرها) التي أحبطت ودمرت مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الغادرة بكفاءة واحترافية شهدت بها الأكاديميات العسكرية العالمية.

وبجانب هذا الردع العسكري، تستند الدولة إلى جبهة داخلية صلبة وتلاحم شعبي فريد ومطلق بين الشعب والقيادة، مما يجعل كل محاولات الفئات المخربة تتحطم كليا على صخرة الوعي والوطنية السعودية. إن الإجراءات السياسية والأمنية كافة التي تتخذها المملكة هي قرارات سيادية نابعة من تقديرها لمصالحها العليا، وهي قادرة بقوتها الذاتية على فرض معادلة الأمن وفرض الاستقرار وحماية مواطنيها ومشاريعها التنموية العملاقة.

التداعيات الكارثية على العالم جراء الصمت عن استهتار الفئات التخريبية
إذا كانت المملكة لا تحتاج مساعدة من أحد لردع المعتدين، فإن مصلحة العالم الحيوية والأمنية تقتضي أن ينتفض المجتمع الدولي بأسره فورا وبشكل حازم ضد هذا الاستهتار التخريبي، لأن العبث بأمن المملكة يعني مباشرة ضرب شريان الحياة للعالم في مقتل. فمن الناحية الاقتصادية، تمثل المملكة قلب الطاقة النابض وميزان الاستقرار المالي عالميا، حيث تبلغ طاقتها الإنتاجية النفطية أكثر من 12 مليون برميل يوميا، وتمتلك قرابة 17% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم؛ وأي تهديد لاستقرارها أو للممرات المائية المحيطة بها، مثل مضيق باب المندب، سيؤدي فورا إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة العالمية تتجاوز حاجز الـ150 دولارا للبرميل، مما يهدد بانهيار سلاسل الإمداد وحدوث ركود اقتصادي مظلم وتضخم غير مسبوق في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا. ومن الناحية الأمنية، لولا الجهود الاستخباراتية السعودية الاستباقية في مكافحة الإرهاب، لانتشرت بؤر التطرف عبر القارات؛ حيث أحبطت الأجهزة الأمنية السعودية بالتعاون الدولي أكثر من 200 عملية إرهابية دولية عبر تبادل المعلومات الفورية وتجفيف منابع التمويل، إلى جانب قيادتها للتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي يضم 41 دولة. إن صمت العالم وتهاونه مع الميليشيات المنفلتة يهدد بتحويل المنطقة إلى بؤر تصدير للمقاتلين والسلاح والمخدرات (مثل حبوب الكبتاجون التي تشن المملكة ضدها حربا دولية لحماية شبابه وشباب الجوار)، وهو ما سينعكس فورا كتهديد أمني مباشر في عمق العواصم الغربية والدولية.

لغة الأرقام والإحصاءات تثبت ريادة المملكة الإنسانية والتنموية عالميا
إن لغة الأرقام والإحصاءات الرسمية الموثقة دوليا تقدم دليلا قاطعا على أن المملكة العربية السعودية تمثل واحة الإنسانية والعطاء بلا حدود، مما يجعل استهدافها جريمة نكراء ضد الإنسانية بأكملها. وفقا لمنصة المساعدات السعودية الرسمية وتقارير لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تجاوز إجمالي المساعدات الإنسانية والتنموية التي قدمتها المملكة 100 مليار دولار أمريكي، مما جعلها تتبوأ لعدة أعوام المرتبة الأولى عالميا من حيث نسبة المساعدات الإنمائية الرسمية إلى الدخل القومي الإجمالي (ODA/GNI)، متجاوزة الهدف المحدد من الأمم المتحدة البالغ 0.7%. ومن خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، نفذت المملكة أكثر من 3000 مشروع إنساني بتكلفة تجاوزت 7 مليارات دولار شملت أكثر من 100 دولة حول العالم دون أي تمييز عرقي أو ديني. وتأتي الدول الإقليمية والدول التي دمرتها النزاعات والجهل في مقدمة المستفيدين؛ حيث بلغت المساعدات الموجهة لليمن الشقيق وحده أكثر من 20 مليار دولار شملت تشغيل المستشفيات ودعم البنك المركزي اليمني بمليارات الدولارات لمنع انهيار العملة، إلى جانب إطلاق مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية الذي نجح في نزع أكثر من 450 ألف لغم محرم دوليا زرعتها الميليشيات التخريبية لحصد أرواح الأبرياء، ناهيك عن المساعدات الضخمة للشعب الفلسطيني والسوري والسوداني والدول الأفريقية النامية.

السقوط الأخلاقي والسياسي لقوى الغدر ومسؤولية الضمير الدولي أمام العطاء السعودي
أمام هذه الحقائق الناصعة، يبرز السؤال الوجودي والأخلاقي الذي يواجه الضمير العالمي والقانون الدولي، وهو: هل يجوز في شرعة الأمم وفي منطق الإنسانية والشهامة أن يكون جزاء الإحسان الشامل في كل شيء أقل من الإحسان المقابل؟ لقد جبلت المملكة منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - على سياسة اليد الممدودة بالخير، وصون حق الجوار، وتضميد جراح المنكوبين، وضخ الأموال والمشاريع لإعمار وبناء ما دمرته الصراعات في الدول المجاورة؛ بيد أن مقابلة هذا الإحسان والتوازن السعودي التاريخي بالغدر، ومحاولة تصدير الأزمات والفوضى، وخراب الجوار من قبل فئات شريرة مرتهنة للخارج، تعكس السقوط الأخلاقي والسياسي الذريع لهذه الشرذمة المخربة التي لفظتها شعوبها قبل غيرها، بعد أن حولت أوطانها الواعدة إلى ساحات للفقر والجهل والدمار والدموع والميليشيات المنفلتة. إن الصمت الدولي على هذا السلوك الإجرامي والأرعن يعد انتهاكا صارخا لمواثيق الأمم المتحدة ومبادئ العلاقات الدولية القائمة على حسن الجوار واحترام السيادة، والمجتمع الدولي مطالب اليوم بوقفة تاريخية وقانونية حازمة لفرض عقوبات رادعة على هذه الفئات وتصنيفها كقوى إرهابية مهددة للسلم العالمي، والاعتراف بأن حماية استقرار المملكة العربية السعودية ودعم إجراءاتها السيادية والأمنية كافة هو واجب قيمي ومصلحة استراتيجية عليا لحفظ توازن العالم وصون مستقبل البشرية.

السعودية فجر متجدد للأمل وقوة استقرار لا تنطفئ في مسيرة التاريخ الإنساني
ستبقى المملكة العربية السعودية، كما كانت على الدوام، منارة سامقة للحق لا تخفت جذوتها، وسندا راسخا لكل محتاج يرى في إنسانيتها ملاذا آمنا يتجاوز الحدود والمسافات. إن قوى التخريب والشرذمة الضالة، مهما تمادت في غيها وسعت لخراب الجوار، لن تجد أمامها إلا جبلا أشم يتحطم عليه زيفها وتتبخر عنده أوهامها؛ فالتاريخ أثبت مرارا وتكرارا أن الأوطان التي تبنى على قيم العدل والإحسان وتتسلح بالتلاحم الصادق بين شعبها وقيادتها تخرج من كل تحد أكثر قوة ومنعة وشموخا. إن النظرة الشاملة لمستقبل المملكة، في ظل وثباتها التنموية الكبرى ورؤيتها الطموحة، تبعث على التفاؤل المطلق بأن راية التوحيد ستظل خفاقة بالسلام، تنشر الأمل في أصقاع الأرض، وتقود البشرية نحو التوازن والازدهار، لتظل أرض الحرمين الشريفين حصنا حصينا للحق والعدل، وصوتا صادقا ينير دروب المستقبل لكل طالب أمن واستقرار.

aabankhar@