لمن يقرأ صبر السعودية ضعفا يجهل معادلات القوة
عبداللطيف محمد الحميدان5 دقائق للقراءةحجم الخط
من يعتقد أن تحركات المملكة العربية السعودية وحشدها السياسي والعسكري تجاه جماعة الحوثي تعكس ضعفا في موقفها أو عجزا عن مواجهة المشروع الحوثي إنما يخطئ في قراءة موازين القوة ويفتقر إلى الفهم الاستراتيجي لطبيعة السياسة السعودية. فالقوة لا تقاس بكثرة الحروب ولا بالاندفاع نحو المواجهات وإنما بالقدرة على إدارة الصراع، وتحديد توقيته والتحكم في مساراته وتوظيف مختلف أدوات التأثير لتحقيق الأهداف الوطنية بأقل التكاليف الممكنة. والمملكة تدرك أن الحسم الحقيقي لا يتحقق بإسكات السلاح وحده بل بتجفيف الأسباب التي تسمح للمشروعات المسلحة بإعادة إنتاج نفسها على حساب الدولة والمجتمع.
لهذا فإن التحركات السعودية تجاه الحوثيين يمكن قراءتها في سياق أوسع من مجرد الاستعداد لمواجهة عسكرية. فهي تعكس إدراكا بأن المعركة الأساسية تدور حول مستقبل اليمن وهويته السياسية وحق شعبه في استعادة دولته وموارده وقراره الوطني. ولذلك فإن أحد أهم الأبعاد الاستراتيجية لأي تحشيد سعودي يتمثل في تسليط الضوء على طبيعة المشروع الحوثي وكشف التناقض بين خطاب الجماعة وممارساتها، وبين ادعاء الدفاع عن اليمن وبين ما ترتب على سياساتها من تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف الاقتصاد وتعميق معاناة المواطنين.
فالحوثي لا يمثل مجرد حركة سياسية تتنافس على السلطة ضمن قواعد الدولة، وإنما جماعة مسلحة تتبنى تصورا أيديولوجيا للحكم يجعل من الانتماء العقدي أساسا لاحتكار السلطة، ويقدم الولاء للجماعة على الولاء للمؤسسات الوطنية. وقد انعكس هذا التوجه في ممارسات تتعلق بالسيطرة على الموارد العامة، وفرض الجبايات، وتوجيه قطاعات من الاقتصاد لخدمة سلطة الأمر الواقع، والتعبئة العسكرية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى في مشروع يرفع شعارات السيادة والاستقلال بينما يضعف قدرة اليمنيين على إدارة شؤونهم ويجعل مواردهم رهينة أولويات الجماعة.
والأهم أن كشف حقيقة هذا المشروع لا يكتمل دون إظهار أبعاده الإقليمية وعلاقاته الخارجية وفي مقدمتها الدعم الإيراني الذي وثقته تقارير دولية في مجالات التسليح ونقل التقنيات العسكرية. فالقضية لا تتعلق بخلاف يمني داخلي فحسب، وإنما بتداعيات مشروع مسلح يتجاوز الحدود الوطنية، ويهدد أمن البحر الأحمر والممرات التجارية، ويستخدم التصعيد الإقليمي لتعزيز موقعه السياسي والعسكري. ومن هنا فإن تعرية شبكات الدعم والتسليح والتمويل تمثل جزءا أساسيا من أي استراتيجية جادة لمنع استمرار الصراع.
وفي المقابل فإن المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وبتوجيه ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء قدمت نموذجا يجمع بين حماية الأمن الوطني والسعي إلى الحلول السياسية ودعم الشعب اليمني إنسانيا وتنمويا. وقد عكست جهود المملكة في رعاية مسارات التهدئة ودعم الاقتصاد اليمني وتنفيذ المشروعات الإنسانية والتنموية قناعة راسخة بأن استقرار اليمن لا يتحقق بإدامة الحرب وإنما ببناء مؤسسات قادرة على خدمة المواطنين وحماية السيادة الوطنية.
وتبرز هنا أهمية الرؤية الاستراتيجية لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في التعامل مع الملف اليمني ضمن مفهوم أشمل للأمن والتنمية والاستقرار الإقليمي. فالمملكة التي تمضي في تنفيذ تحولاتها الاقتصادية الكبرى وتوسيع شراكاتها الدولية تدرك أن أمنها لا ينفصل عن استقرار محيطها. وهي لذلك تملك مصلحة استراتيجية في يمن آمن ومستقر يمتلك قراره الوطني بعيدا عن هيمنة الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية. وهذه الرؤية تجعل من الدبلوماسية والحوار والردع أدوات متكاملة وليست خيارات متناقضة.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن حرص المملكة على التهدئة خلال السنوات الماضية يمنح الحوثيين تفوقا سياسيا أو عسكريا. لأن الامتناع عن التصعيد غير الضروري ليس تنازلا عن القدرة على الردع، كما أن منح الحلول السياسية فرصتها لا يعني القبول بتحويل المفاوضات إلى غطاء لإعادة التسلح أو تثبيت سلطة الأمر الواقع. والدولة التي تمتلك أدوات القوة وتختار ضبط النفس إنما تمارس مسؤولية استراتيجية لا تستطيع الجماعات المسلحة إدراك أبعادها عندما تختزل القوة في إطلاق الصواريخ ورفع الشعارات.
علما أن نجاح التحرك السعودي تجاوز الضغط العسكري إلى بناء موقف سياسي وإعلامي وحقوقي كشف أثر سياسات الحوثيين على حياة اليمنيين بالأدلة والوقائع. لأن المعركة الأعمق ليست معركة السيطرة على الأرض وحدها وإنما معركة استعادة الدولة من منطق الجماعة، واستعادة الاقتصاد من شبكات الجباية، واستعادة التعليم من التعبئة الأيديولوجية، واستعادة الإنسان اليمني من دوامة الخوف والفقر والحروب. واقترن ذلك بدعم مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز كفاءتها وتحسين الخدمات حتى وجد المواطن بديلا وطنيا موثوقا يعبر عن تطلعاته في المناطق المحررة.
كما أن التمييز بين جماعة الحوثي والشعب اليمني يمثل ضرورة سياسية وأخلاقية بالغة الأهمية؛ فاليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة ليسوا خصوما للمملكة وإنما مواطنون يتحمل كثير منهم نتائج صراع لم يختاروه. ولهذا فإن استراتيجية المملكة جعلت حماية المدنيين وصون الموارد العامة وتخفيف المعاناة الإنسانية جزءا من أهدافها الأساسية. لأن إضعاف المشروع الحوثي لا ينبغي أن يكون على حساب المجتمع اليمني وإنما من خلال تعزيز فرصه في التحرر من هيمنة السلاح واستعادة حقه في دولة عادلة.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الحوثيين ومن يقف خلفهم هي أن صبر المملكة ليس ضعفا، وأن انفتاحها على السلام ليس تفريطا، وأن حرصها على استقرار اليمن لا يمنح أي طرف حق تهديد أمنها أو مصادرة مستقبل الشعب اليمني. فالسعودية ليست مضطرة إلى خوض كل معركة لإثبات قوتها وإنما تستطيع توظيف مكانتها الإقليمية وثقلها الدولي وقدراتها الدفاعية والاقتصادية لفرض معادلة تجعل السلام الحقيقي أكثر جدوى من استمرار المغامرة العسكرية.
ولهذا فإن جوهر التحرك السعودي لا ينبغي أن يقاس بحجم الحشد وحده، وإنما بقدرته على تحويل القضية اليمنية من صراع تستثمر فيه الجماعات المسلحة إلى مسار وطني يستعيد فيه اليمنيون دولتهم وسيادتهم وثرواتهم. وتلك هي المعادلة التي تكشف الفارق بين دولة تسعى إلى بناء الاستقرار وجماعة تستمد نفوذها من استمرار الاضطراب. فالمملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - لا تحتاج إلى إثبات قوتها لمن يسيء قراءة صبرها، وإنما تحتاج إلى مواصلة توظيف هذه القوة بحكمة حتى يدرك الحوثي ومن يدعمه أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يبقى رهينة مشروع عقدي مسلح، وأن أمن المملكة وسيادتها خطان أحمران، وأن السلام المستدام لا يصنعه السلاح المنفلت بل تصنعه الدولة العادلة والإرادة الوطنية الحرة.
alatif1969@
