في ظل التحول المتسارع نحو المنصات الرقمية مثل «شاهد» و«ثمانية» و«يوتيوب» وغيرها، لم تعد مشاهدة المحتوى المرئي مرتبطة بوقت محدد أو قناة بعينها، بل أصبح المشاهد يختار ما يريد ومتى يريد، وفق اهتماماته ومرحلته العمرية. ومع هذا التحول، باتت لدينا فرصة كبيرة لفهم سلوك المشاهدة، ليس فقط من حيث عدد المشاهدات، بل من حيث نوعية المحتوى على كل منصة، والذي يجذب كل فئة ومدى تأثيره فيها.

وهنا يبرز تساؤل مهم: لماذا لا توجد جهة متخصصة ترصد المحتوى الأكثر مشاهدة وتأثيرا في الفئات العمرية المختلفة، وتحول هذه البيانات إلى فرص استثمارية ومبادرات توعوية تخدم المجتمع والبناء والمستقبل؟

تخيلوا أن تتوافر لدينا تقارير دورية توضح أكثر البرامج مشاهدة لدى الأطفال، والشباب والشابات، وكبار السن، مع تصنيفها إلى برامج ترفيهية، ورسوم متحركة، ومحتوى تعليمي، وأفلام ومسلسلات، وبرامج ثقافية واجتماعية. والأهم أن تتجاوز هذه التقارير أرقام المشاهدة إلى دراسة التأثير الفعلي للمحتوى في الأفكار والسلوك والاهتمامات. فمثلا الرسائل التوعوية لثقافة المشي، نستطيع استغلال البرامج التي تجمع الشرائح المستهدفة لإرسال رسائل توعوية عن المشي.

حتى الرسائل التوعوية يجب أن تنتقل من الطرق التقليدية بالإعلان والدعاية التوعوية، إلى زرعها داخل المحتوى، فمثلا، برنامج مثل «شباب البومب»، يجب أن يتبنى من خلال التمثيل ممارسات وسلوكيات ذات علاقة بالسمنة والتدخين ومهارات تنمية القدرات البشرية وغيرها، والمقصود أن تكون ضمن القصة نفسها وتكون رسائلها غير مباشرة وذات تأثير قوي.

إن وجود مثل هذه الجهة سواء كانت مستقلة أو ضمن منظومة الإعلام والبحث، قد يفتح آفاقا جديدة للاستثمار المسؤول، فمعرفة المحتوى الذي يستقطب الأطفال، على سبيل المثال، يتيح تطوير برامج تعليمية ممتعة تصل إليهم بلغتهم وأسلوبهم المفضل، ومعرفة اهتمامات الشباب تساعد على تصميم رسائل توعوية بطرق غير مباشرة حول الصحة والوعي المالي والمهارات المهنية والمسؤولية الاجتماعية بأساليب أكثر جاذبية وتأثيرا. أما كبار السن، فيمكن الوصول إليهم بمحتوى يعزز جودة الحياة والصحة والثقافة الرقمية.

ولا يقتصر الأمر على الجهات الحكومية أو المؤسسات التوعوية؛ بل يمتد إلى المستثمرين وشركات الإنتاج والمعلنين، الذين يمكنهم توجيه استثماراتهم نحو محتوى يجمع بين النجاح الجماهيري والقيمة المجتمعية، بدلا من الاكتفاء بمؤشرات الانتشار والمشاهدة.

وبالطبع يتطلب ذلك ضوابط واضحة لحماية خصوصية المشاهدين، والاعتماد على بيانات مجمعة ومجهولة الهوية، إلى جانب منهجيات علمية تقيس التأثير دون افتراض أن كثرة المشاهدة تعني بالضرورة جودة المحتوى أو إيجابية أثره.

الفكرة لا تتمثل في مراقبة ما يشاهده الناس، بل في فهم اهتماماتهم والاستفادة منها، فحين نعرف أين تتجه أنظار المجتمع، نستطيع أن نوجه جزءا من هذا الاهتمام نحو المعرفة والوعي والتنمية. فهل حان الوقت لإنشاء مرصد وطني لتأثير المحتوى الإعلامي، يحول بيانات المشاهدة إلى فرص استثمارية ومبادرات تصنع أثرا إيجابيا مستداما؟

الزمن الحالي ليس كالماضي، نحن في زمن مليء بملايين الملايين من البيانات، أصبحنا نعرف كم عدد الأجهزة التي تابعت مباراة الأمس وكم جهازا تابع كل فيلم ومسلسل، ولهذا يتوجب علينا أن ندير أعمال اليوم والمستقبل بأدوات مختلفة عن أدوات الماضي.