في مشهد إقليمي تتفاوت فيه مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدل والأمن، يحق لكل منا أن يطرح سؤالاً بسيطاً: لماذا تتشابه الدول في الموارد وتختلف في مستوى التنمية؟ وكيف تنزلق أمم غنية بمواردها في صراعات استنزافية، بينما تنأى أخرى بنفسها عن ذلك لتصنع الحياة والرفاهية لشعبها؟ الجواب ليس في الجغرافيا ولا في حجم الموارد، بل في الفكر الرشيد والقيم الخيرة والهدف المشترك.
وسياسة المملكة العربية السعودية مثال حي على التنمية في داخلها وخارجها؛ فها هي اقتصادياً تفيض بالخيرات على شعبها وعلى المجتمعات المنكوبة، وسياسياً تسعى للإسهام في تحقيق السلم العالمي. فقد عُرفت السعودية، قيادة وشعباً، بأياديها البيضاء بذلاً وعطاءً دون منة؛ دولة تصل مساعداتها إلى من أصابته كارثة أو حرب دون أن تسأل عن مذهبه أو موقفه، ويحمل اسمها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في عشرات الدول، والرياض عاصمتها دار الحكمة لمعالجة النزاعات الدولية المستعصية.
إن نظم الدول الاقتصادية والسياسية تتباين في منطلقاتها الفلسفية. فمنها من يصنع قراراته بناءً على "لعبة صفرية" لا يربح فيها طرف إلا إذا خسر الطرف الآخر، ومنها من يتعامل على أن المكاسب في حال التعاون والتكامل قابلة للنمو. وإذا أسقطنا هذا على الواقع، يبرز ملف الطاقة أنموذجاً جلياً لسياسة الحكمة والرشدانية. فمع أن المملكة تمتلك مخزوناً نفطياً يضعها في موقع تستطيع من خلاله صنع اختلال في أسواق الطاقة العالمية لصالحها، إلا أنها اختارت أن تكون المورد الموثوق والمنتج المسؤول، فتضبط إيقاع الأسواق حين تضطرب، وتتحمل كلفة الاستقرار نيابة عن الاقتصاد العالمي دون ابتزاز أو مساومة. وهنا تتجلى الحكمة السعودية في تحقيق الاستدامة لا جني أرباح وقتية، إدراكاً منها أن السلام والرخاء العالمي يعود بالنفع على جميع الدول ومن ضمنها المملكة. ولم تكتفِ المملكة بتأمين إمدادات الطاقة للعالم، بل هي من أهم المساهمين في صندوق النقد الدولي، ولا أدل على أهمية إسهاماتها العالمية من اختيارها عضواً في مجموعة العشرين؛ فهي لاعب رئيس على المسرح الدولي، تجلس حيث تصاغ قرارات الاقتصاد العالمي، وتحمل معها صوت المنطقة كلها.
وتتكامل نظرة المملكة لجيرانها مع رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للشرق الأوسط الجديد: «شرق أوسط مزدهر اقتصادياً، ومستقر سياسياً، ينعم بالأمن والأمان». والمثال الحي أمامنا في «الربط الكهربائي الخليجي»، شبكة واحدة يسد فيها فائض دولة عجز أخرى، وتغني الجميع عن محطات احتياطية باهظة. مشروع هادئ لا يصنع عناوين الأخبار، لكنه يجسد الفلسفة كلها: القوة الحقيقية في التنمية التشاركية المستدامة التي تحقق الرفاهية المجتمعية، وهذا ما تعجز عن رؤيته الدول التي تختزل القوة في النفوذ وتنسى شعوبها.
إن المملكة تحمل موروثاً ثقافياً مبنياً على القيم الإسلامية والتقاليد العربية الأصيلة، وتاريخاً يمتد لثلاثة قرون؛ دولة العدل والأمن، ونظامها من نبت أرضها غير مستورد. ومن هذا الإرث تستمد ثباتها، ومنه تنطلق إلى مستقبلها: جسراً لا جداراً، تبني لشعبها وتفيد جيرانها، لأن العالم ببساطة يتسع للجميع.