التوقعات قد تسبق صواريخُ الخوفِ إلى الأذهان في البيوت أو الحكومات، وقد تصل أخبار الهزيمة إلى الأسواق المحلية والعالمية قبل أن تقع الهزيمة على أرض المعركة.

وعندها يصبح الإنسان محاصرًا بجبهتين؛ جبهة يسمع دويّها الأحمر، وجبهة تتسلل إليه عبر خضرة الشاشات المتفائلة، وفي المنتصف حديث يومي عن غدٍ رمادي مجهول اليقين بما يحمل.

وفي الخليج العربي، حيث تتشابك الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع التهديدات الحوثية للمملكة العربية السعودية، تتباين حسابات الناس وبيانات الحكومات.

فريق يرى في امتداد المواجهة نذيرًا بأزمة طويلة، فيسارع إلى تأمين الغذاء والمواد الأساسية، وفريق يعيد حساباته التجارية تجنبًا للوقوع في أزمة، فيبحث عن طرق بديلة ومنافذ جديدة، وربما يجد البعض فرصة للنمو على وقع النار.

ولكل فريق ما يبرر موقفه؛ فتعطل طرق الطاقة والملاحة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واضطراب الأسواق، كلها مخاطر لا يمكن تجاهلها، والدول التي تستعد لأسوأ الاحتمالات تؤدي واجبًا من واجبات الحكم الحريص.

لكن المسافة تتسع بين أن تستعد الدولة للخطر، وبين أن يقتنع المجتمع بأن الخطر قد أحاط به من كل جانب، وبين أن تحمي مخزونها الاستراتيجي، وبين أن تدفعها المخاوف إلى سلوك قد يزيد اضطراب الأسواق.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب النفسية؛ فهي لا تحتاج دائمًا إلى كذبة كاملة، إذ يكفيها خبر يُنتزع من سياقه، أو احتمال يُقدَّم باعتباره حقيقة، أو خسارة جزئية تُروى وكأنها بداية انهيار شامل.

ومع تكرار الرسالة، يتراجع السؤال عن صحتها، ويتقدم الخوف من نتائجها، حتى يصبح القلق نفسه قوة تؤثر في الاقتصاد والقرار السياسي.

وفي المقابل، فإن التفاؤل الذي يتجاهل الوقائع لا يقل خطرًا عن التشاؤم الذي يضخمها.

فالأسعار المرتفعة لا تعني بالضرورة زيادة الإيرادات إذا تعطلت الصادرات، والمسارات البديلة لا تلغي جميع المخاطر، والقدرة على احتواء الصدمة لا تضمن ألا تتسع الحرب.

أما التهديد الحوثي للمملكة، فيستدعي يقظة دائمة؛ لأن من يختبر خصمه بالاستهداف المتكرر قد يراهن على أن طول المواجهة سيصنع من الإرهاق ما لم تصنعه المواجهة المباشرة.

إن ما يجري حولنا يختبر قدرة السعودية ودول الخليج على إدارة الخطر وإدارة الشعور به في آن واحد.

والمملكة، بثقلها وموقعها ومسؤولياتها، تحتاج إلى هدوء الواثق واستعداد الحذر؛ فلا تسمح للتهويل بأن يربك مجتمعها، ولا للطمأنينة المفرطة بأن تحجب عنها ما ينبغي الاستعداد له.

ولعل أخطر ما تستطيع الحرب أن تفعله بخصومها أن تجعلهم يعيشون نتائجها قبل أن تقع، وأن تدفعهم إلى استنزاف أنفسهم بالخوف من خسائر لم تحدث بعد.

فالدول لا تُقاس قوتها بقدرتها على منع كل عاصفة، وإنما بقدرتها على مواجهتها دون أن تفقد توازنها، وحين تضطرب المنطقة، يصبح العقل الهادئ موردًا استراتيجيًا، ويصبح الوعي حصنًا لا يقل أهمية عن مخازن الغذاء وممرات التجارة ومنظومات الدفاع.