الحقيقة هي العنوان الجلي للواقع، والصورة المطابقة للأصل، والبيّنة التي لا تحتاج إلى إثبات؛ فهي تعني الصدق والجوهر، والأشياء على طبيعتها التي لا تقبل التغيير؛ هي اليقين والوجه المغاير تماما للكذب.
تتجلى الحقيقة كفلسفة في مختلف العلوم، وفي العدل والمساواة، وقوانين الحياة، وفي مهنة الصحافة؛ حيث يعتمد العمل الصحفي على الحق، والحق يقوم على الصدق، والصدق يعني ثبات الأشياء على حالها، فلا يمكن تبديلها مهما سعى المضللون لتغيير صورة الواقع من يقين إلى كذب، ومهما تعددت الوسائل؛ فمهما بلغت تلك الوسائل من دهاء أو ذكاء، لن تغير من الحقيقة شيئا.
الحقيقة هي الحق، وهي وجه الواقع الذي لا يتعدد مهما تباينت أهواؤنا، فهي ثابتة لا تبدلها مصالحنا أو رغباتنا النفسية؛ كالشمس التي تشرق من المشرق وتغيب في المغرب، وكالتعاقب الحتمي لليل والنهار؛ فالحق هو ما خرج من رحم الواقع.
لقد أصبحت الحقيقة في نظر كثير من الناس مرفوضة وغير مرغوب فيها؛ لكونها محرجة أحيانا، أو لأنها لا تجد مكانا في حياة طغى فيها التصور على الواقع، حيث باتت المجاملات تحتل مساحة واسعة في علاقات الناس، مما يفرض عليهم ارتداء أقنعة مغايرة لحقيقتهم للحفاظ على نسيج اجتماعي هش بُني على التزييف. ونتيجة لذلك، صار التعامل قائما على إخفاء جوهر الواقع، والتظاهر بلسان الكذب خوفا من نطق الحقيقة التي قد تكون مكلفة، وتنهي مرحلة طويلة من المراوغة.
إن النطق بالحقيقة قد ينسف تلك الأسوار المشيدة على المجاملات، والتي قامت عليها العلاقات. ورغم سعينا الحثيث لإخفاء الحقيقة، إلا أنها تظل ساكنة في أعماقنا لا تتغير. ولكي نحافظ على ذلك النسيج الوهمي، نلجأ إلى التعامل بصور زائفة تعتمد على الملاطفة والمداعبات والابتسامات المصطنعة حتى في أشد حالات الغضب والنزاع، تماشيا مع الظروف ونوع العلاقات.
إن رفضنا للحقيقة في تعاملاتنا البشرية جعلنا ننكر الواقع بكامل قوانا العقلية، ونرفض ذواتنا لنزور الواقع سعيا للتغيير، خوفا من تبعات قد لا تناسبنا أو تنتقص من قدرنا، أو خشية من مواجهة الآخرين، بحثا عن وجوه أخرى لا تمت للحقيقة بصلة.
الحقيقة ثوب أبيض، وصفحة ناصعة، وجوهر نقي، وواقع ملموس لا يرتديه كاذب ولا يزيفه محتال؛ مهما بلغنا في احتراف الخديعة، ستظل الحقيقة عصية على التشويه ما بقي الإنسان على الأرض.
حقيقتنا فكرة نخشى طرحها في النقاشات، ونخاف مواجهتها عند الاختلاف، أو أن يفصح عنها صادق بين الناس؛ لذا نميل إلى المجاملة والتزلف أو التجنب خوفا منها. ومع ذلك، تظل حقيقتنا تعيش فينا مهما هربنا؛ فقد رضعناها في الصغر، وتغذينا عليها في الكبر، وستظل معنا طوال العمر، وسنرحل وتبقى هي إرثنا الحقيقي.
نقطة أخيرة: الحقيقة هي يقين صحيح يتفق عليه العقلانيون.
الحقيقة وجه الواقع
سليمان محمد الشريف2 دقائق للقراءةحجم الخط
