الأفكار الخلابة مطروحة في الطريق، لا تحدها جدران ولا حواجز، لكن أين من يلتقطها!، هكذا حثنا الجاحظ على الانطلاق، قرأت عن استغلال الموجود أو إيجاد المفقود بما تملك أو تخلق، وما قرأته يدور حول الاستفادة مما بين يديك؛ لنأخذ مثلا (بكت - كرتون الدخان).
فللسيجار حكايات تتجاوز التدخين، وله مع الكتابة صلات لا تخطر على البال؛ فقد يكون في لحظة ضيق متنفس ووسيلة لحفظ فكرة، وفي لحظة راحة، حلاً لبيت شعر من أمير الشعراء، وهكذا.
يذكر محمد علي الطاهر في مذكراته أن الورق والحبر والأقلام كانت ممنوعة على السجناء، فكيف يدون ملاحظاته؟ استطاع الحصول على قطعة صغيرة من رصاص قلم الرصاص، يسهل إخفاؤها، أما الورق فكان يستفيد من البطانة الداخلية لعلب السجائر. يكتب سطرا أو سطرين، ويجمع الأوراق الصغيرة، ثم يهربها إلى خارج السجن ليودعها عند أحد أصدقائه.
وفي الجانب الآخر، كان أحمد شوقي يكتب بعض أبياته الشعرية على علب السجائر، خشية أن ينسى بيتا طرق باب ذاكرته، أو يفلت منه إلهام لا يضمن عودته. أو يغضب قرينه.
نحن بين شاعر خاف ضياع الإلهام، وسجين يبحث عن نافذة ليهرب ملاحظاته؛ هنا تتجلى قيمة الفكرة حين تنعدم الوسائل؛ فالمبدع لا ينتظر طريقاً مفروشا بالورود، ولا مكتباً فاخرا، ولا قلما سحرياً؛ يكفيه أن شرارة الفكرة وجذوة الإبداع، ليبحث لها عن صندوق يحفظها.
ومن ملح الوداع، أنني حين كنت مدرسا في مدرسة السجن، حثثت الطلاب على الإقلاع عن التدخين، فأجابني أحدهم: يا أستاذ، السيجارة أنيسنا في جميع الأحوال؛ في الضيق والحزن، وفي الفرح والانبساط، وفي البكاء والسعادة، وفي الجوع والعطش والشبع! لكل حالة سيجارة، ولكل سيجارة حكاية.
انتبه نحن غير مسؤولين عن شربك للتتن !!.
محمد العمر
السيجار أنيسك في الراحة والضيق
محمد العمر2 دقائق للقراءةحجم الخط
