يا أولي العقول والألباب، أفيقوا يرحمكم الرحمن!
إلى متى نظل نركض خلف الدنيا كأننا باقون فيها إلى الأبد؟ إلى متى نؤجل التوبة، وننشغل بما سنتركه وراءنا، وننسى ما سنحمله معنا؟
يا ناس... يا بشر... أفيقوا يرحمكم الرحمن!
في زحام الحياة، وبين السعي وراء الرزق والتنافس على المكاسب، قد يمضي العمر دون أن نشعر، وتتراجع الآخرة في حساباتنا، حتى تصبح التوبة وعدًا نؤجله، والعبادة عملًا نؤديه على عجل، وكأن أمامنا من الوقت ما يضمن لنا العودة متى شئنا.
نسعى إلى المزيد، وننشغل بما ينقصنا، وقد نغفل عما نملكه من نعمٍ تحيط بنا كل يوم. نعتاد الصحة والأهل والأمان، وننسى أن ما نراه اليوم أمرًا مألوفًا قد يصبح غدًا أمنية بعيدة.
كم من إنسان كان بيننا بالأمس، يخطط ويجمع ويتمنى، ثم أصبح اليوم ذكرى ودعاء! وكم من شخص أجّل التوبة، ظنًّا منه أن أمامه متسعًا من العمر، ولم يعلم أن الغد ليس وعدًا لأحد.
يا ابن آدم، لا تنتظر أن يوقظك المرض، أو يردّك فقد عزيز، أو يفاجئك الرحيل؛ حتى تعود إلى الله. بادر بإصلاح ما تستطيع إصلاحه، وحافظ على صلاتك، وردّ الحقوق إلى أصحابها، واعتذر عمّن أسأت إليه، واستغفر ربك عمّا قصّرت فيه. فما دام باب العمل مفتوحًا، فلا تؤجل خيرًا تستطيع أن تفعله اليوم.
وتذكّر أن الحساب لا يتعلق بما جمعته في دنياك وحده، بل بما قدمته من عمل، وما تركته من أثر، وما حفظته من حقوق. وقد يأتي يوم يتمنى فيه الإنسان لو عاد ليصلح ما أفسد، ويقدم ما أخّر، ويستدرك ما ضيّع، فيقول متحسرًا كما أخبرنا القرآن الكريم: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
لكن الحديث عن الرحيل ليس دعوة إلى اليأس، بل دعوة إلى النجاة. فنحن بشر نخطئ ونقصّر، غير أن رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح لمن رجع إليه بصدق، وعزم على إصلاح ما استطاع من أمره.
فلا تجعل أخطاء الأمس تمنعك من بداية جديدة. ابدأ بالصلاة، واجعل للاستغفار نصيبًا من يومك، وأحسن إلى أهلك والناس من حولك، واجعل عملك وسعيك في الدنيا طريقًا إلى رضا الله، لا سببًا للغفلة عنه.
وقبل أن تنشغل بما ينقصك... تذكّر ما أنعم الله به عليك.
تأمّل ما بين يديك من نعم اعتدت وجودها؛ صحتك، وأهلك، ورزقك، وأمانك، وكل نعمة صغيرة أو كبيرة تحيط بحياتك. لا تجعل انشغالك بما لم تنله ينسيك فضل الله فيما وهبك، ولا تنتظر فقد النعمة حتى تعرف قيمتها.
فشكر النعمة ليس كلمةً يقولها اللسان فحسب، بل قلبٌ يعترف بفضل الله، ولسانٌ يحمده، وعملٌ يترجم هذا الحمد إلى سلوك. تشكر مالك بأن تنفق منه في الخير، وصحتك بأن تستخدمها فيما ينفع، وعلمك بأن تنفع به غيرك، ووقتك بأن تحسن استثماره، وقدرتك بأن تكون عونًا لمن يحتاج إليك.
تتمتّع بنعم الله عليك، ولكن هل حمدت الله عليها اليوم؟ وكيف؟
يا ناس… يا بشر!
عبدالرحمن محمد ندا3 دقائق للقراءةحجم الخط
