معضلة المحامين في الاستعلام عن هويات الخصوم!
إلانه موفق النويصر3 دقائق للقراءةحجم الخط
من القضايا المرهقة لأي محام يشرع في تولي أي قضية، نصرة لموكل أرهقه الظلم أو أتعبه ضياع حقه، هو توفير رقم الهوية الوطنية أو الإقامة النظامية للمدعى عليه، وهو عبء ثقيل يلقى كاملا على كاهل المحامي وموكله، مما يحولهما من باحثين عن الإنصاف والعدل، إلى معقبين يتلمسان الخطى، وصولا إلى «رقم رسمي» تتحفظ عليه جهات الدولة، ولا تتيحه المنصات الرسمية للممارس القانوني.
وتتضاعف المأساة وتتبلور صورتها الأكثر قسوة وتعبا، عندما تكون القضية قد امتدت لسنوات طويلة من الجهد والتقاضي في أروقة المحاكم، حتى يصدر في نهايتها «حكم نهائي مكتسب القطعية»، ليتفاجأ المحامي بأن الخصم قد توفي، وانتقلت الخصومة والالتزامات المترتبة عليه إلى ورثته، لتبرز المعضلة الأكبر في استحالة معرفة أرقام هويات هؤلاء الورثة، الذين لا توفر هوياتهم في أوراق المحاكمة، ولا توفرها المحكمة، ولا يمكن لعاقل أن يتصور بأن يقوم المحامي بالتواصل المباشر مع ورثة الخصم ليدعوهم بلطف «أرجوكم زودوني بأرقام هوياتكم، كي أرفع ضدكم دعوى تنفيذ، وأطالب بحجز أموالكم وأموال مورثكم، لتنفيذ الحكم القضائي»، وهو أمر يستحيل حدوثه وتأباه الطبيعة البشرية والمصلحة المادية للخصوم، وتتعاظم المشكلة عندما يكون الخصم «شخصية اعتبارية».
وتتجسد هذه المعضلة بوضوح في اصطدام المحامين بقرار المجلس الأعلى للقضاء برقم 219/6/39 وتاريخ 1439/04/21هـ الذي يشترط لزوما إرفاق رقم السجل المدني لقبول الدعوى أو السند التنفيذي، ويلقي بعبء الاستحصال كاملا على طالب التقاضي أو التنفيذ، مما يفتح بابا واسعا لتقاذف المعاملات والطلبات بين الجهات الرسمية، كدوائر التنفيذ، والأحوال المدنية، والمحاكم، حيث يتحول المحامي إلى كرة لهب تتقاذفه تلك الجهات.
وكل جهة تحيله للأخرى بذريعة عدم الاختصاص، أو بحجة الحفاظ على سرية البيانات الشخصية، وكأن النظام يطالب المحامي بمعجزة خارقة للحصول على بيانات شخصية تكتنفها قيود إدارية صارمة، رغم أن المصلحة الحقوقية تتطلب تيسير سبل العدالة لا إغلاق أبوابها.
وحين يتلاقى هذا التعقيد الإجرائي مع التطبيق الجامد لنظام حماية البيانات الشخصية، يتحول النظام دون قصد إلى درع حصين للمماطلين والورثة المتهربين من تنفيذ الأحكام القضائية الباتة، متجاهلا أن مهنة المحاماة هي الجناح المكمل للسلطة القضائية، وأن تعطيل أدوات المحامي هو تعطيل للعدالة نفسها، وإهدار لحقوق الناس الثابتة بأحكام نهائية.
وأمام هذه التحديات اليومية التي تثقل كاهل قطاع المحامين وتهدد استقرار المعاملات الحقوقية، بات من الملزم إيجاد حلول جذرية توازن بين حماية سرية البيانات الشخصية وبين ضرورة إنفاذ الأحكام، وتمكين المحامي من أداء رسالته السامية؛ وأول هذه الحلول يكمن في إيجاد آلية ربط الكتروني آمن تتيح للمحاكم ودوائر التنفيذ - بحكم ولايتها القضائية - مخاطبة قواعد البيانات المركزية كالأحوال المدنية، ومركز المعلومات الوطني تلقائيا لاستخراج هويات المدعى عليهم أو الورثة المرتبطين بالقضايا القائمة أو الأحكام النهائية فور تقديم ما يثبت نشوء الحق، دون تحميل المدعي ومحاميه أعباء إضافية، أو إجباره على اتباع طرق غير شرعية للحصول على بيانات خصوم لا تتوفر بياناتهم بالأدوات النظامية.
كما يتطلب الأمر منح المحامين المرخصين والمقيدين رسميا صلاحيات مقيدة ومراقبة عبر المنصات الرقمية المعتمدة، للاستعلام عن بيانات الخصوم في القضايا المحكوم بها أو المقيدة بضوابط صارمة، تمنع إساءة الاستخدام، وتحفظ سرية المعلومات، إلى جانب توحيد المرجعية الإدارية لطلبات استكمال بيانات الخصوم المجهولين أو الورثة، بحيث ترفع عنها صفة التقاذف بين الجهات، وتسند إلى جهة اختصاص واضحة، تحسم الطلب بأمد زمني قصير، بما يضمن سيادة القانون وسرعة إنجاز العدالة الناجزة، ويحفظ لقطاع المحامين مكانته ودوره الفاعل في خدمة المجتمع والنظام العدلي.
Elanah_n@
