ليس كل ما يقال يحسن قوله، وليس كل ما يكتم يحسن كتمانه أيضا. وبين حكمة البوح وفضيلة الصمت، يقف الإنسان باحثا عن منطقة آمنة يستطيع فيها أن يضع شيئا من أثقال قلبه على طاولة الكلمات، ولعل العبارة الدارجة «خلّ الكلام ينفعك» هي فلسفة حياة تختصر حقيقة إنسانية عميقة؛ فالكلام، حين يكون واعيا ومنضبطا، ضرورة نفسية، وفلسفة أخلاقية، وأداة لبناء الإنسان قبل أن يكون وسيلة للتواصل.

يصادف العاشر من أكتوبر من كل عام اليوم العالمي للصحة النفسية؛ والذي أدرك من خلاله علماء النفس والباحثون والمختصون في المجال أن الإنسان لا يمرض أحيانا بما يعيشه، بقدر ما يمرض بما يعجز عن التعبير عنه؛ من هنا بدأ التركيز على ما يعرف بـ«العلاج بالكلام»، الذي لاحظه طبيب الأعصاب والمحلل النفسي النمساوي «جوزيف بروير» أن مريضته «آنا أو» كانت تشعر بتحسن ملحوظ كلما تحدثت بأريحية عن تجاربها ومشاعرها المكبوتة، لاكتشاف ما يختبئ في أعماق نفسها من صراعات ورغبات وذكريات مؤلمة؛ والذي يطلق عليه آلية التداعي الحر في العلاج النفسي، وذلك بالحديث المقنن، والانسياب الواعي للكلمات تجاه مساحة آمنة وأسلوب يحفظ الكرامة والخصوصية؛ هنالك أسرار، وحقوق لا يجوز انتهاكها، والوعي الحقيقي هو معرفة ما يقال، ولمن يقال، ومتى يقال.

التعبير الصادق عن المشاعر وتسميتها يخففان من وطأة التوتر، ويعيدان تنظيم الخبرات داخل الدماغ، ويمنحان الإنسان قدرة أكبر على فهم ذاته واتخاذ قراراته بعيدا عن ضغط الانفعال، كما يبطئان من نشاط المراكز الدماغية المرتبطة بالخوف والقلق، ويعززان من نشاط المناطق المسؤولة عن التفكير المتزن والتنظيم الانفعالي.

من أرقى صور البوح التي أجدها؛ شكوى العبد لربه، فقد قال يعقوب عليه السلام «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله»، في هذه الآية دلالة بليغة على أن الاعتراف بالألم ليس ضعفا، وأن التعبير عن الحزن لا يناقض الصبر، بل يتممه إذا اقترن بالرضا وحسن الظن بالله أولا ثم بخلق الله الموثوقين علميا ومهنيا.
لا تنشأ العلاقات المتينة إلا بالحوار، فالأسرة التي يتحدث أفرادها بصراحة واحترام أقل عرضة للتفكك، والمنظمات التي تسمح لموظفيها بالتعبير أكثر قدرة على الإبداع، والمجتمعات التي تمنح الناس مساحة آمنة للكلام تقل فيها مشاعر العزلة والاغتراب.

أما حين يمنع الإنسان من الحديث طويلا، فإن الكلمات لا تموت، بل تتحول إلى ضغوط، وربما خرجت لاحقا في صورة غضب، واكتئاب، وقسوة، وانقطاع عن الآخرين.

من أكثر الأساليب نفعا السرد المنظم، والإنصات المتبادل، والكتابة التعبيرية، والحوار الآمن مع معالج نفسي مؤهل أو شخص مقرب ناضج، ومراجعة الذات عبر إعادة صياغة الأفكار السلبية وتفكيكها واستبدالها بالإيجابية والتكلم عنها بحرية.

الإنسان يخف حمله عندما يجد من يشاركه العبء، لذلك إذا ضاقت بك الأيام، وازدحمت لديك المشاعر، وتشتتت في ذهنك الأفكار، وأثقلتك الضغوط، خل الكلام ينفعك.

Yos123Omar@