يقول وودرو ويلسون، أحد أبرز مفكري الإدارة العامة: «إذا أردت أن تصنع أعداء، فحاول أن تحدث تغييرا». فالتغيير بطبيعته ينقل الأفراد والمؤسسات من دائرة المألوف والاعتياد إلى آفاق التطوير والابتكار والإبداع، وهو ما لا يرغبه أو يستطيعه من ألفوا الركود واعتادوا الروتين، إذ يتطلب التغيير إعمال العقل، وتجديد التفكير، والاجتهاد، وبذل الجهد لتحقيق واقع أفضل. والتغيير في الغالب لا يحدث تلقائيا، بل يحتاج إلى قوة تدفعه وتمكن من تحقيقه.

غير أن القوة ليست وجها واحدا، فثمة قوة خيرة تيسر وتمكن، وتهيئ البيئة المناسبة، وتدعم الأفراد والمجتمعات لتحقيق النجاح والازدهار، وتطلق طاقاتهم الكامنة نحو البناء والتقدم. وفي المقابل، هناك قوة شر تنتهج الإكراه والإجبار والهدم والدمار، تزرع الشر في كل مكان في سبيل السيطرة وسلب الآخرين حقوقهم.

وفي ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة تبرز المملكة العربية السعودية كقوة خير تواجه قوى الشر، الذين لم يرق لهم أن ترتقي السعودية سلم التقدم الحضاري وأن تنعم بالأمن والأمان، حسدا من عند أنفسهم. وهذا الصراع بين الخير والشر صراع أزلي، وقدر المملكة منذ تأسيسها قبل ما يقارب ثلاثة قرون بأن تكون بلدا طهوريا ذا قدسية كما المقدسات التي فوق ترابها.

وقد حباها الله قيادة رشيدة تحكم بقيم الإسلام العظيمة والتقاليد العربية الأصيلة، فكان ذلك الامتزاج الطبيعي بين الحاكم والمحكوم في علاقة حميمية فطرية لا يمكن تفسيرها بالمصطلحات السياسية الحديثة، لأن معانيها أعمق وأكبر وأشمل من أن تستوعبها وتحتويها مفاهيم وقيم مجتمعات نظمها مصطنعة، شكلية، وميكانيكية منزوعة الرحمة والحكمة في إطار دساتير موادها حمالة أوجه، الغلبة فيها للنخب وكأنها تحتكم لقانون الغاب.

وما عليك إلا أن تشاهد وتسمع في الأخبار كيف وصل بهم الحال إلى مناقشة موضوعات فيها من السفاهة والانحطاط الأخلاقي ما يندى له الجبين. هل يعقل أن تصل بهم الحال الاعتراف بالشذوذ الجنسي، وأن هناك جنسا ثالثا! وأن يفرضوا ذلك على الآخرين باسم الحرية! هذا غيض من فيض، وإلا القائمة تطول بعجائب النظم الغربية الديموقراطية المتقدمة. أما دول المنطقة المحيطة بنا، فإما دول محدودة المساحة، قليلة السكان، تعج بالعمالة الأجنبية، وإما دول تعاني من اختلالات سياسية واقتصادية وأمنية أثرت في استقرارها وأضعفت قدرتها على توفير الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم لمواطنيها.

وهنا نؤكد أن تميز التجربة السعودية لا يعني أنها خارج نطاق التحليل السياسي أو المؤسسي، بل إن فهمها يتطلب النظر إلى خصوصيتها التاريخية والاجتماعية، وإلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأنه ليس هناك نموذج سياسي واحد يصلح معيارا مطلقا للحكم على جميع التجارب. فالمؤسسات لا تقاس بأسمائها أو بصيغها الدستورية وحدها، وإنما بما تحققه من أمن واستقرار وعدالة وتنمية، وبقدرتها على الاستجابة لاحتياجات المجتمع وصون مصالحه.

ولعل حجم التحديات والاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة، في الوقت الذي تنعم فيه المملكة العربية السعودية بالأمن والاستقرار والتنمية المتسارعة دليل على هذا التميز السعودي. إلا أنه مع الأسف تبدو بعض مظاهر العدائية تجاه المملكة مرتبطة بهذا التميز وبمشروعها التنموي الطموح ورؤيتها الإصلاحية الواسعة التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتقوم على بناء مستقبل أكثر ازدهارا للمنطقة. فمفهوم «الشرق الأوسط الجديد» من المنظور السعودي يرتكز على معادلة قوامها أن نجاح الدول لا يكون على حساب بعضها بعضا، بل من خلال التكامل الاقتصادي، وتعظيم المصالح المشتركة، وتعزيز التنمية المستدامة، وترسيخ قيم التعايش السلمي والاستقرار الإقليمي بما يعود بالنفع على الجميع.

ومع ذلك ينظر إلى الرؤية السعودية بنظرة التحدي لا لشيء، إلا أن السعودية استعادت مكانتها وقوتها بقيادة الشاب الذي أخذ على عاتقه مسؤولية حمل لواء التغيير والتطوير، لتسبق الآخرين بحجم التغيير وسرعته واتجاهه، وكأن طفرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية أخذتهم على حين غرة، خاصة أولئك الذين سيطر على فكرهم وهم مجاراة السعودية وتخيل أنهم الند للمملكة، وغاب عنهم أنها دولة لها ثقلها في المنطقة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وجغرافيا وبشريا وحكمة، بل والأهم أنها تمثل العمق الاستراتيجي لهم، ليكون من الغباء السياسي معاداتها!

هذا التفوق السعودي في المنطقة قزم الآخرين أو هكذا رأوا القوة الخيرة للسعودية، وبدلا من أن ينضموا تحت لوائها ويسعون في اللحاق بها، قعدوا يحيكون لها المؤامرات والدسائس ويستعينون بالأعداء. المشكلة أن بعض دول المنطقة يسكنها التاريخ وتسيرها معتقدات خاطئة وخزعبلات لا تجعلهم يرون الحق حقا والباطل باطلا، ويغلقون باب الحوار والنقاش الموضوعي المتزن الذي يحقق المنفعة المشتركة. مثل الحوثي الذي يحكم بالحقد والكراهية والمذهبية المقيتة خدمة لمصالح خارجية؛ لتغيب الحكمة فيكون هدفه الهدم والقتل واستباحة الأعراض. إنها قوة الشر التي تزرع الفتنة وتحصد الهلاك والدمار.

إن القوة الحقيقية تقاس بما تبنيه الدول من أمن واستقرار وازدهار، وبما تفتحه من آفاق للتنمية والتكامل الإقليمي. والمملكة العربية السعودية، بقيادتها ورؤيتها الطموحة، تمضي في صناعة مستقبلها وتعزيز مكانتها، واضعة مصلحة شعبها واستقرار المنطقة وازدهارها في صدارة أولوياتها. ويبقى الرهان على أن تدرك دول المنطقة أن التعاون مع المملكة والاستفادة من تجربتها التنموية يمثلان فرصة مشتركة لصناعة مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا. فالبقاء في نهاية المطاف للقوة الخيرة والأصلح، تلك التي تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق، وتصنع الحياة والازدهار؛ أما قوى الشر والهدم، فمهما امتلكت من أدوات القوة، فإن مصيرها الفناء. هكذا يقول التاريخ.